23 يوليو, 2026 06:23:00 م
موسى المليكي.
في الصباح الباكر، حين تكون معظم المدن اليمنية قد بدأت يومها بالحركة والضجيج، تبدو تعز مختلفة تمامًاشوارعها لا تزال هادئة، وأسواقها تفتح أبوابها على استحياء، وكأن المدينة تؤجل الاستيقاظ قليلًا بعد سنوات طويلة من التعب. لا يبدأ النبض الحقيقي لتعز إلا ما بين الثامنة والنصف والتاسعة صباحًا، حين يتدفق الموظفون والعمال وأصحاب المهن إلى أعمالهم، حاملين معهم همومًا أكبر بكثير من مجرد البحث عن لقمة العيش.
كانت جولتي في سوق المدينة كافية لتكشف حجم المعاناة التي يعيشها المواطن كل يوم. المحلات التجارية تفتح أبوابها ببطء، وحركة البيع والشراء تبدو أضعف من أن تعيد للسوق حيويته التي عُرف بها في سنوات مضت.
الوجوه متعبة، والابتسامات نادرة، والحديث في كل زاوية لا يدور إلا حول سؤال واحد: إلى أين تمضي هذه المدينة؟
لا يكاد يخلو مجلس أو متجر أو رصيف من حديث الناس عن الكهرباء التي أصبحت ضيفًا عابرًا، والمياه التي بات الحصول عليها معركة يومية، والبعوض الذي يحاصر البيوت ليلًا بسبب تردي الخدمات، إلى جانب الغلاء الذي يلتهم ما تبقى من دخول المواطنين، والمرتبات التي فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها الشرائية أمام الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الأساسية.
لم تعد معاناة المواطن في تعز مرتبطة بأزمة واحدة، بل أصبحت سلسلة متشابكة من الأزمات التي تتغذى على بعضها بعضًا. فحين تغيب الكهرباء ترتفع كلفة المعيشة، وحين تنقطع المياه تتضاعف الأعباء، وحين ترتفع الأسعار يصبح الراتب مجرد رقم لا يكفي لأيام قليلة، بينما يقف المواطن وحيدًا في مواجهة كل ذلك.
السؤال الذي يردده الجميع لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح صرخة إنسانية: أين الجهات المسؤولة؟ وأين المؤسسات التي يفترض أن تكون موجودة لخدمة الناس؟ ولماذا يبدو المواطن وكأنه تُرك ليواجه مصيره منفردًا؟
ومن أكثر المشاهد التي تستوقف الزائر حالة الفوضى في الأسعار داخل السوق. السلعة الواحدة قد تجدها بسعر مختلف في كل محل، وأحيانًا بفارق كبير لا يجد له المواطن تفسيرًا. غياب الرقابة الفاعلة، إن وُجدت، فتح الباب أمام تفاوت واسع في الأسعار، فأصبح المستهلك هو الحلقة الأضعف، يتنقل من متجر إلى آخر بحثًا عن أقل سعر، بينما يزداد استنزاف دخله المحدود.
ولا تتوقف مظاهر العشوائية عند الأسعار، بل تمتد إلى الشوارع نفسها. باعة القات ينتشرون على مداخل الأسواق وأطراف الطرق بصورة يراها كثير من المواطنين غير منظمة، فتتكدس السيارات والبسطات، وتضيق الطرق، ويزداد الازدحام المروري، ويجد المشاة أنفسهم مجبرين على السير وسط السيارات، في مشهد يتكرر يوميًا ويعكس غياب التخطيط والتنظيم.
ورغم هذا الواقع المثقل بالأزمات، فإن تعز لا تزال ترفض الاستسلام.
في أحد أحياء السوق، كان صوت المطارق يتردد بقوة داخل ورش الحدادة. هناك يعمل الحدادون منذ الصباح في تصنيع قواعد الحديد وحوامل الألواح الشمسية، في مشهد يلخص قصة مدينة كاملة. فحين غابت الكهرباء، لم ينتظر الناس الحلول، بل صنعوا بدائلهم بأيديهم، فتحولت الطاقة الشمسية من خيار إضافي إلى ضرورة حياتية، وأصبحت الألواح الشمسية تزين أسطح المنازل والمتاجر والمؤسسات، شاهدة على قدرة أبناء تعز على التكيف مع أقسى الظروف.
هذا المشهد وحده يكفي ليؤكد أن أبناء المدينة لا ينتظرون المعجزات. إنهم يصنعون الحياة كل يوم، رغم قلة الإمكانات، ويبتكرون الحلول عندما تغيب المؤسسات.
ورغم حالة الركود العامة، لا تزال هناك قطاعات تقاوم.
سوق السمك يستقبل زبائنه، ومحلات الدواجن تواصل نشاطها، والمطاعم الشعبية تحاول الحفاظ على أبوابها مفتوحة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من دوران عجلة الحياة الاقتصادية.
تعز ليست مدينة انهزم أهلها، بل مدينة أثقلتها الأزمات. مدينة أنهكتها سنوات طويلة من الحرب وتراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، لكنها ما زالت تنبض بالحياة، لأن أبناءها يرفضون الاستسلام.
إن ما تحتاجه تعز اليوم ليس الوعود، بل خطوات عملية تعيد تنظيم الأسواق، وتحسن الخدمات الأساسية، وتفرض رقابة حقيقية على الأسعار، وتخفف من معاناة الناس الذين تحملوا ما يفوق طاقتهم.
هذه المدينة لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن رفاهية، بل تطالب بأبسط حقوقها: كهرباء مستقرة، مياه متوفرة، طرق منظمة، رقابة على الأسواق، ومؤسسات تقوم بواجبها تجاه المواطنين.
وفي نهاية جولتي، خرجت بقناعة راسخة أن تعز لم تفقد إرادتها رغم كل ما مرت به. إنها مدينة تتعب، نعم... لكنها لا تنكسر. مدينة قد تمرض، لكنها تعرف كيف تقاوم. تنهض كل صباح على سواعد أبنائها، لا على وفرة الإمكانات، وتكتب كل يوم درسًا جديدًا في الصبر والعمل والكبرياء.
تعز تمرض... لكنها لا تموت. ولن تموت ما دام فيها رجال ونساء يصنعون الحياة من قلب المعاناة، ويؤمنون أن الغد، مهما طال انتظاره، لا بد أن يكون أفضل.