31 أغسطس, 2026 09:14:31 م
تقرير/ صدّيق الطيار
لم يعد الحديث عن الدقيق في اليمن مجرد نقاش يتعلق بتوفر السلعة وأسعارها، أو قدرة المطاحن والمخابز على تلبية احتياجات السوق، بل بدأ يأخذ أبعاداً أوسع ترتبط بالأمن الغذائي والصحة العامة وجودة الغذاء وحماية المستهلك، في ظل تحرك حكومي لإعادة النظر في مواصفات الدقيق المنتج محلياً ورفع قيمته الغذائية.
وفي العاصمة المؤقتة عدن، برز هذا الملف خلال اجتماع حكومي، الخميس الماضي، ضم ممثلين عن وزارات الصناعة والتجارة، والصحة العامة والسكان، والزراعة والري والثروة السمكية، ووزارة الإعلام، إلى جانب الجهات المعنية بالمواصفات والمقاييس، في خطوة تعكس توجهاً نحو التعامل مع الدقيق باعتباره أحد المكونات الأساسية للأمن الغذائي الوطني.
وكان لافتاً في الاجتماع تأكيد نائب وزير الصناعة والتجارة، المستشار سالم سلمان الوالي، أن الدقيق يمثل "ركيزة أساسية في الأمن الغذائي"، وهي رؤية تضع الوزارة أمام مسؤولية تتجاوز الدور الرقابي التقليدي على الأسواق، نحو الإسهام في تطوير منظومة إنتاج غذائي أكثر جودة وأماناً وقيمة للمستهلك.
*من الرقابة إلى تطوير منظومة الدقيق*
يمثل تحرك وزارة الصناعة والتجارة في هذا الملف محاولة للانتقال من التعامل مع الدقيق بوصفه منتجاً تجارياً، إلى التعامل معه كجزء من منظومة متكاملة تبدأ من القمح ولا تنتهي عند المخبز.
فوزارة الصناعة والتجارة - باعتبارها الجهة المعنية بالمواصفات وحماية المستهلك وتنظيم النشاط التجاري والصناعي - تجد نفسها في قلب عملية إعادة تقييم جودة الدقيق المحلي، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص.
ومن أبرز مخرجات الاجتماع التوجه نحو تشكيل لجنة مشتركة تضم الجهات ذات العلاقة، بهدف دراسة وتطوير المواصفات الخاصة بالدقيق اليمني، بما يحقق مستويات أفضل من الجودة والقيمة الغذائية، ويواكب الاحتياجات الصحية للمستهلك اليمني.
وهنا تكمن أهمية الخطوة، فالمواصفة ليست مجرد أرقام فنية تحدد خصائص المنتج، وإنما هي القاعدة التي تحدد ما الذي يصل إلى مائدة المواطن، وما هي المعايير التي يجب أن تلتزم بها المطاحن والمخابز والجهات المنتجة والموردة.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح وزارة الصناعة والتجارة في صياغة مواصفة أكثر تطوراً للدقيق يمكن أن ينعكس على كامل سلسلة الغذاء، من المطاحن إلى المخابز ثم إلى المستهلك.
*الدقيق.. قضية صحة لا قضية سعر فقط*
لسنوات طويلة انحصر النقاش حول الدقيق في اليمن في قضايا الاستيراد والأسعار وتوفر الكميات، بينما ظل الجانب المتعلق بالقيمة الغذائية للمنتج أقل حضوراً في النقاش العام.
لكن التطورات الأخيرة تعيد طرح سؤال مختلف: ما القيمة الغذائية التي يحصل عليها المواطن من الدقيق الذي يستهلكه يومياً؟
فالقمح يحتوي طبيعياً على مكونات غذائية متعددة، ويؤثر أسلوب الطحن ودرجة التكرير في تركيب الدقيق وقيمته الغذائية. ولذلك، فإن التوجه نحو تطوير أنواع أكثر احتفاظاً بالمكونات الغذائية للقمح يمكن أن يفتح الباب أمام خيارات غذائية أفضل، خصوصاً في مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الخبز ومشتقاته كجزء أساسي من الوجبات اليومية.
ومن هنا يأتي الربط الذي طُرح خلال الاجتماع بين تطوير الدقيق المحلي وبين مواجهة بعض مظاهر سوء التغذية وفقر الدم، مع ضرورة أن تستند هذه السياسات إلى تقييمات ودراسات غذائية وصحية دقيقة تحدد الاحتياجات الفعلية للسكان.
*حماية المستهلك تبدأ من كيس الدقيق*
لا تقتصر أهمية تحرك وزارة الصناعة والتجارة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى حماية المستهلك وضمان حصوله على منتج تتوافر فيه المواصفات المعلنة.
فالمستهلك اليمني الذي يواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة يحتاج إلى أن يعرف ماذا يشتري، وما القيمة الغذائية للمنتج الذي يدفع ثمنه، وأن يضمن في الوقت ذاته سلامته ومطابقته للمواصفات.
وهنا يصبح تطوير المواصفات وتشديد الرقابة على الالتزام بها أداة لحماية المواطن، وفي الوقت نفسه وسيلة لدفع القطاع الصناعي إلى تحسين جودة منتجاته.
وتبرز أهمية الشراكة، التي شدد عليها نائب وزير الصناعة والتجارة المستشار سالم الوالي، باعتبار أن تطوير قطاع الدقيق لا يمكن أن يتحقق بقرار حكومي منفرد، بل يحتاج إلى تعاون بين الجهات الرسمية والمطاحن والقطاع الخاص والباحثين والمتخصصين في التغذية والقطاع الصحي والإعلام.
*وفرة الإنتاج وخفض الكلفة*
الملف لا يتعلق بالقيمة الغذائية وحدها، إذ ناقش الاجتماع أيضاً إمكانات تطوير الدقيق المحلي، بما يسهم في تحقيق وفورات كمية واقتصادية يمكن أن تنعكس على تكلفة إنتاج الخبز.
وفي بلد يعيش فيه المواطن تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية كبيرة، فإن أي سياسة غذائية لا تأخذ بعين الاعتبار السعر والقدرة الشرائية ستظل ناقصة.
ولهذا فإن التحدي أمام الجهات الحكومية يتمثل في الوصول إلى معادلة تجمع بين الجودة والقيمة الغذائية من جهة، والسعر المناسب من جهة أخرى، بحيث لا يتحول تحسين المنتج إلى عبء إضافي على الأسر محدودة الدخل.
وهنا أيضاً يبرز دور وزارة الصناعة والتجارة في ضبط السوق ومنع الممارسات التي قد تؤدي إلى تحميل المستهلك تكاليف غير مبررة، بالتوازي مع تشجيع الاستثمار في الصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة.
*الأمن الغذائي يبدأ قبل المطحنة*
ومن الملفات المهمة التي حضرت في النقاش خلال الاجتماع، قضية إنشاء الصوامع والمستودعات الخاصة بتخزين القمح في المحافظات المحررة بالشراكة مع القطاع الخاص.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل اعتماد اليمن على الاستيراد لتغطية جانب كبير من احتياجاته من الحبوب، وما يرافق ذلك من مخاطر مرتبطة بالأسواق العالمية وأسعار النقل وسلاسل الإمداد والأزمات الإقليمية والدولية.
فامتلاك قدرة وطنية أفضل على التخزين لا يعني فقط توفير مخزون استراتيجي، بل يمنح الدولة والقطاع الخاص قدرة أكبر على مواجهة تقلبات الأسواق والأزمات المفاجئة.
ومن هنا، فإن توجه وزارة الصناعة والتجارة نحو تعزيز البنية التحتية المرتبطة بالقمح والدقيق يمكن أن يشكل جزءاً من سياسة أوسع لتعزيز الأمن الغذائي، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات عند حدوثها.
*القطاع الخاص شريك أساسي في التغيير*
إعادة صياغة منظومة الدقيق لن تكون ممكنة من دون المطاحن والمخابز والقطاع الخاص. فالقطاع الصناعي هو الذي سيتحمل الجزء الأكبر من عملية تحديث خطوط الإنتاج، وتطوير عمليات الطحن، والالتزام بالمواصفات الجديدة، والاستثمار في التخزين والجودة.
ولهذا فإن مفهوم "الشراكة الحقيقية" الذي طرحه نائب وزير الصناعة والتجارة يمثل مفتاحاً مهماً لنجاح هذه الخطوة. فالدولة تضع التشريعات والمواصفات وتراقب وتحمي المستهلك، فيما يوفر القطاع الخاص الاستثمار والخبرة والقدرة الإنتاجية، بينما تضطلع الجهات الصحية والأكاديمية بدورها في تحديد المعايير الغذائية والعلمية، ويتولى الإعلام مهمة إيصال هذه التحولات إلى المجتمع.
*المعركة القادمة.. تغيير ثقافة المستهلك*
وربما يكون تغيير ثقافة المستهلك أحد أصعب التحديات. فالدقيق الأبيض أصبح جزءاً راسخاً من العادات الغذائية، فيما ينظر بعض المستهلكين إلى الدقيق الأسمر أو الأقل تكريراً باعتباره خياراً أقل جودة أو مرتبطاً بمستوى معيشي أقل.
وهنا تظهر أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به وزارة الإعلام في دعم خطة التوعية التي جرى بحثها خلال الاجتماع، من خلال تقديم معلومات مبسطة وموثوقة للمواطن حول الفوارق الغذائية بين أنواع الدقيق، بعيداً عن المبالغات أو التخويف.
فالسياسة الغذائية لا تنجح بالمواصفة وحدها، إذ يحتاج المواطن إلى معرفة لماذا تتغير المواصفات، وما الفائدة التي سيحصل عليها، وكيف يميز المنتج المطابق من غيره؟
*خطوة أولى نحو "دقيق يمني" أكثر جودة*
ما يجري في عدن لا يعني أن المشكلة حُلت، ولا أن تطوير مواصفة جديدة سيغير واقع صناعة الدقيق بين ليلة وضحاها.
لكن أهمية التحرك تكمن في أنه يفتح باباً طال انتظاره أمام إعادة تقييم منظومة الدقيق اليمني، من منظور متكامل يجمع بين الأمن الغذائي والصحة والاقتصاد وحماية المستهلك.
وإذا نجحت اللجنة المشتركة في الوصول إلى مواصفات علمية قابلة للتطبيق، وتمكنت وزارة الصناعة والتجارة من تحويل هذه المواصفات إلى قواعد ملزمة يتبعها رقابة فعالة، واستطاع القطاع الخاص الاستثمار في تطوير الإنتاج والتخزين، فإن اليمن سيكون أمام فرصة حقيقية لتحسين أحد أهم مكونات غذاء مواطنيه.
القضية في النهاية ليست لون الرغيف، ولا مجرد الانتقال من الدقيق الأبيض إلى الأسمر، وإنما كيف يمكن أن يحصل المواطن اليمني على خبز آمن، ذي قيمة غذائية جيدة، وبسعر يستطيع تحمله.
وهذا ما يجعل جهود وزارة الصناعة والتجارة في هذا الملف ذات أهمية تتجاوز حدود قطاع صناعي أو سلعة استهلاكية، لتلامس قضية الأمن الغذائي والصحة العامة وحماية المستهلك.
لقد بدأ النقاش في عدن من كيس الدقيق، لكنه يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تستطيع الحكومة تحويل الغذاء اليومي للمواطن من ملف استهلاكي إلى سياسة وطنية متكاملة؟
الإجابة لن تكون في قاعات الاجتماعات وحدها، وإنما في المواصفة التي ستُعتمد، والمطحنة التي ستلتزم، والرقابة التي ستطبق، والمستهلك الذي سيعرف الفرق، والرغيف الذي سيصل في النهاية إلى مائدة الأسرة اليمنية.