ملفـات وتقـاريـر

31 أغسطس, 2026 09:21:28 م
بقلم: صدّيق الطيار

لم يعد الحديث عن الدقيق في اليمن يقتصر على توفره في الأسواق أو استقرار أسعاره، فهذه السلعة الأساسية التي تدخل في صناعة الخبز ومختلف المنتجات الغذائية أصبحت ترتبط بصورة مباشرة بصحة المواطن، وجودة غذائه، ومستوى الأمن الغذائي في البلاد.

وفي بلد يعتمد فيه ملايين اليمنيين على الخبز بوصفه مكوناً أساسياً في موائدهم اليومية، فإن تحسين جودة الدقيق لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره قضية فنية تخص المطاحن والمخابز وحدها، بل باعتباره مسؤولية وطنية مشتركة تتصل بحق المستهلك في الحصول على غذاء آمن وسليم، وبحق السوق في منتجات تستوفي المواصفات والمعايير المعتمدة.

يحتل الدقيق موقعاً استثنائياً في النظام الغذائي اليمني، إذ يدخل في إنتاج الخبز والرغيف الشعبي والمعجنات والعديد من الأغذية التي تستهلكها الأسر بصورة يومية. ولذلك فإن أي خلل في مواصفاته أو طريقة إنتاجه أو تخزينه أو تداوله، يمكن أن ينعكس على المستهلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر بصورة مستمرة في جودة الدقيق المتداول في الأسواق، والتأكد من مطابقته للمواصفات القياسية، بدءاً من جودة القمح المستخدم في إنتاجه، مروراً بعمليات الطحن والتصنيع، وصولاً إلى التعبئة والتخزين والنقل والعرض.

فالجودة ليست مجرد لون للرغيف أو نعومة للدقيق، وإنما منظومة متكاملة تشمل القيمة الغذائية والسلامة الصحية والخصائص الفنية ومدى ملاءمة المنتج للاستخدام الذي أُنتج من أجله.

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اليمنيون، بات المستهلك أكثر حساسية تجاه السعر، وأحياناً قد تدفع الحاجة الاقتصادية بعض الأسر إلى التركيز على الحصول على المنتج الأقل تكلفة دون القدرة على التحقق من جودته أو مصدره أو مدى مطابقته للمواصفات.

وهنا تبرز مسؤولية الجهات الرقابية في حماية المستهلك، ليس فقط من الغش التجاري، وإنما من أي منتج غذائي لا يحقق الحد الأدنى من متطلبات السلامة والجودة.

فالمستهلك اليمني من حقه أن يعرف ماذا يشتري، وأن يحصل على دقيق يحمل بيانات واضحة بشأن مصدره ومواصفاته وتاريخ إنتاجه وصلاحيته، وأن يكون مطمئناً إلى أن المنتج الذي يصل إلى مائدته خضع للرقابة والفحص وفق معايير علمية واضحة.

ومن المهم أيضاً الفصل بين تحسين الجودة وبين رفع أسعار المنتجات الغذائية. فرفع مستوى الجودة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لزيادة الأعباء على المواطنين، كما أن الحفاظ على أسعار مناسبة لا يجب أن يكون على حساب جودة الغذاء وسلامته.

المعادلة الصحيحة تكمن في الوصول إلى سوق تنافسية تضمن للمستهلك منتجاً جيداً بسعر عادل، وتمنح المنتجين والمطاحن حوافز حقيقية للاستثمار في تحسين الجودة وتطوير عمليات الإنتاج.

وهذا يتطلب تعاوناً بين الجهات الحكومية والمطاحن والمستوردين والمخابز والتجار ومنظمات حماية المستهلك، بحيث تكون المواصفات القياسية قاعدة مشتركة تحكم العلاقة بين جميع الأطراف.

تحسين جودة الدقيق يتطلب الانتقال من مفهوم الرقابة التقليدية التي تركز على المنتج النهائي، إلى رقابة أشمل تغطي سلسلة الإمداد بأكملها.

فالقمح المستورد أو المحلي يجب أن يخضع للفحص المناسب قبل دخوله في عمليات الطحن، كما ينبغي مراقبة ظروف التخزين، والتأكد من سلامة عمليات الطحن والتعبئة، وضمان عدم تعرض المنتج للرطوبة أو التلوث أثناء النقل والتخزين.

كما أن المختبرات الغذائية تمثل حلقة أساسية في هذه المنظومة، لأن القرارات المتعلقة بسلامة وجودة الدقيق يجب أن تستند إلى نتائج فحوصات علمية، لا إلى الانطباعات أو الاجتهادات.

ومن أبرز التحديات التي ينبغي التعامل معها وجود حاجة دائمة إلى مواصفات واضحة ومحدثة للدقيق، تكون مفهومة وقابلة للتطبيق والقياس، وتنسجم مع متطلبات سلامة الغذاء والتغذية وخصوصية السوق اليمنية.

فكلما كانت المواصفات أكثر وضوحاً، أصبح من السهل على الجهات الرقابية تطبيقها، وعلى المنتجين الالتزام بها، وعلى المستهلك معرفة حقوقه.

كما أن تحديث المواصفات ينبغي ألا يكون قراراً إدارياً معزولاً، بل نتيجة لدراسات فنية ومخبرية ومشاورات مع مختلف الأطراف المعنية، بما يضمن تحقيق التوازن بين المتطلبات الصحية والاقتصادية والفنية.

قد تبدو قضية تحسين جودة الدقيق للوهلة الأولى مسألة فنية، لكنها في الحقيقة تحمل أبعاداً اقتصادية وصحية واجتماعية واسعة.

فالغذاء الآمن يساهم في حماية صحة المجتمع، وتقليل المخاطر المرتبطة بالمنتجات غير المطابقة. كما أن تحسين القيمة الغذائية للغذاء الأساسي يمكن أن يكون جزءاً من سياسات أوسع لمواجهة مشكلات سوء التغذية وتعزيز الأمن الغذائي.

وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية وإنسانية كبيرة، فإن كل خطوة باتجاه رفع جودة الغذاء الأساسي تمثل استثماراً طويل الأمد في الإنسان اليمني.

إن تحسين جودة الدقيق في اليمن ليس مهمة جهة واحدة، ولا ينبغي أن يتحول إلى ملف موسمي يظهر عند حدوث مشكلة ثم يختفي من النقاش العام.

المطلوب هو بناء منظومة مستدامة تبدأ من المواصفات القياسية، وتمر عبر المختبرات والرقابة على المطاحن والمنافذ والأسواق، وصولاً إلى المخابز والمستهلك، مع تطبيق القانون على المخالفين بصورة عادلة وشفافة.

وفي المقابل، يحتاج القطاع الخاص إلى أن يدرك أن الجودة ليست عبئاً رقابياً، بل ميزة تنافسية يمكن أن تعزز ثقة المستهلك بالمنتج وتدعم استقرار السوق.

أما المستهلك، فينبغي أن يكون شريكاً في هذه المنظومة من خلال الوعي بحقوقه والإبلاغ عن المخالفات وعدم التساهل مع المنتجات مجهولة المصدر أو غير المطابقة للمواصفات.

الخلاصة.. في اليمن، حيث يشكل الخبز جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لملايين الأسر، تصبح جودة الدقيق قضية تتجاوز حدود الصناعة والتجارة لتصل إلى صميم الأمن الغذائي والصحة العامة وحماية المستهلك.

ولذلك، فإن تحسين جودة الدقيق يجب أن يكون هدفاً وطنياً مستداماً، لا مجرد استجابة مؤقتة لمشكلة طارئة.

فالمواطن لا يريد فقط أن يجد كيس الدقيق في السوق، وإنما يريد أن يثق بما يحتويه هذا الكيس، وأن يعرف أنه آمن، مطابق للمواصفات، ويحافظ على القيمة الغذائية المطلوبة.

إن توفير الغذاء لا يكتمل بتوفيره فقط، فالغذاء الآمن والجيد هو الوجه الحقيقي للأمن الغذائي، وتحسين جودة الدقيق هو أحد أبسط الطرق وأكثرها تأثيراً لحماية صحة المواطن اليمني وصون حقه في غذاء كريم وآمن.




رأيكم يهــمنا

تهمّنا آراؤكم لذا نتمنى على القرّاء التقيّد بقواعد التعليقات التالية :
أن يكون للتعليق صلة مباشرة بمضمون المقال.
أن يقدّم فكرة جديدة أو رأياً جدّياً ويفتح باباً للنقاش البنّاء.
أن لا يتضمن قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم.
أن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.
لا يسمح بتضمين التعليق أية دعاية تجارية.