24 سبتمبر, 2026 03:16:49 م
بقلم/ راجح بامعلم:
*كاتب صحفي وباحث في مكافحة الإرهاب
لم تعد خريطة التهديدات الإرهابية في اليمن قابلة للقراءة من خلال العلاقة التقليدية بين جماعة مسلحة وخصومها. فالمشهد الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة يكشف عن تحولات أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الخصومة الأيديولوجية مع حسابات البقاء والمصلحة، وتتحول فيها خطوط العداء إلى مساحات مؤقتة للتنسيق عندما تفرض الظروف ذلك.
وفي قلب هذا التحول تبرز العلاقة بين جماعة الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وهي علاقة لم تبدأ اليوم، لكنها انتقلت خلال السنوات الماضية من مجرد التقاء ظرفي للمصالح إلى نمط من التعاون الذي تؤكده مؤشرات متعددة، وفق ما أوردته تقارير أممية ومراكز بحثية متخصصة.
المفارقة الأساسية هنا أن الطرفين ينتميان إلى مشروعين أيديولوجيين مختلفين، وسبق أن خاضا مواجهات مباشرة، لكنهما وجدا في استمرار الصراع اليمني مساحة تسمح بتجاوز الخلافات عندما يتعلق الأمر بمواجهة خصم مشترك أو تأمين الموارد وطرق الحركة أو الحفاظ على النفوذ.
من العداء المباشر إلى البراغماتية الأمنية
يشير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى أن المواجهات المباشرة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة تراجعت، وأن الطرفين توصلا إلى تفاهمات لوقف الأعمال العدائية وتبادل الأسرى.
وفي تقريره لعام 2024، تحدث الفريق عن تعاون في المجالات الأمنية والاستخباراتية، وتوفير ملاذات آمنة لأعضاء الطرفين، وتنسيق الجهود ضد القوات الحكومية. كما أشار إلى معلومات حول اتفاقات لتقديم الحوثيين طائرات مسيرة ومعدات وأسلحة وتدريب عناصر من القاعدة.
أما تقرير فريق الخبراء الصادر في 2025، فقد ذهب خطوة أبعد، مشيرًا إلى أن التعاون بين الجانبين استمر، وأن قيادات من الطرفين نسقت أنشطتها، مع توثيق تعاون بين عناصر من القاعدة وجهاز الأمن والمخابرات التابع للحوثيين، إلى جانب تدريب عناصر من القاعدة وتلقي بعض أعضائها العلاج في مناطق خاضعة للحوثيين.
هذه المعطيات لا تعني بالضرورة أن الطرفين أصبحا تنظيمًا واحدًا أو أن بينهما تحالفًا استراتيجيًا متكاملًا. لكنها تشير إلى شيء أكثر أهمية: القدرة على تحويل الخصومة الأيديولوجية إلى تعاون عملي عندما تتقاطع المصالح.
ماذا يريد كل طرف من الآخر؟
بالنسبة إلى الحوثيين، يمكن أن يوفر وجود تنظيم القاعدة في مناطق الصراع عامل ضغط إضافيًا على خصومهم، خصوصًا القوات الحكومية والقوى المحلية المناهضة لهم. كما أن استمرار حالة التهديد الأمني في مناطق مختلفة من اليمن يخلق بيئة أكثر تعقيدًا أمام أي جهود لتثبيت الاستقرار أو إعادة بناء مؤسسات الدولة.
أما تنظيم القاعدة، فيحتاج إلى بيئة تسمح له بالحركة وإعادة بناء قدراته واستقطاب العناصر والوصول إلى الموارد والأسلحة. ولذلك يصبح التواصل مع قوة تسيطر على مناطق واسعة من البلاد، وتمتلك أجهزة أمنية وشبكات تهريب وقدرات عسكرية متقدمة، ذا قيمة كبيرة بالنسبة إليه.
وتكشف هذه المعادلة عن طبيعة العلاقة: ليس من الضروري أن يتفق الطرفان على المستقبل السياسي لليمن حتى يتعاونا في بعض الملفات الأمنية والعسكرية.
وهنا تكمن خطورة هذا النوع من العلاقات؛ فالتنظيمات المسلحة لا تحتاج دائمًا إلى تحالف معلن. يكفي أن تتبادل المعلومات أو الموارد أو الأسرى، أو أن تتجنب استهداف بعضها البعض، أو أن تفتح قنوات للتهريب والتدريب، حتى تتشكل أمامها مساحة مشتركة للمناورة.
شبكات التهريب... الحلقة التي تربط المصالح
الجانب الآخر من هذه المعادلة يتعلق بالتهريب.
تحدث تقرير الأمم المتحدة لعام 2025 عن توسع شبكات تهريب الأسلحة، وذكر أن الحوثيين أصبحوا طرفًا رئيسيًا في عمليات التهريب، مع وجود صلات بشبكات مرتبطة بالقاعدة وحركة الشباب في الصومال. كما أشار إلى مسارات بحرية وبرية تستخدم لنقل الأسلحة والمواد إلى مناطق مختلفة من اليمن.
وهنا لا تعود القضية مجرد علاقة سياسية أو أمنية بين جماعة وتنظيم، بل تصبح جزءًا من اقتصاد حرب عابر للحدود، تتقاطع فيه مصالح الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة والمهربين.
وهذا الجانب تحديدًا يستحق اهتمامًا أكبر من صانعي القرار؛ لأن تفكيك البنية اللوجستية التي تسمح لهذه الجماعات بالحصول على السلاح والمال والمعدات قد يكون أكثر تأثيرًا من الاقتصار على العمليات العسكرية المباشرة.
القاعدة أيضًا تعيد ترتيب أوراقها
في المقابل، لا يبدو تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ساكنًا.
فقد أشار تقرير الأمم المتحدة لعام 2025 إلى أن التنظيم، منذ تولي سعد بن عاطف العولقي قيادته، نفذ عشرات الهجمات منذ بداية العام، واستخدم العبوات الناسفة والقناصة والطائرات المسيرة المفخخة، مع استمرار نشاطه في التجنيد والتمويل عبر الوسائل الرقمية والعملات المشفرة.
وتشير تحليلات متخصصة إلى أن التنظيم يحاول الجمع بين الحفاظ على قدرته العملياتية وبين بناء علاقة أكثر براغماتية مع البيئة المحلية، مع الاستفادة من التهدئة مع الحوثيين لإعادة ترتيب أولوياته.
كما تشير تلك التحليلات إلى أن مؤشرات التعاون بين الطرفين، بما فيها تبادل الأسرى واستخدام الطائرات المسيرة وشبكات التهريب، ازدادت خلال السنوات الأخيرة، مع التأكيد على أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة وجود تحالف استراتيجي كامل.
وهذا التحول مهم؛ لأن الخطر لا يكمن فقط في عدد العمليات التي يستطيع التنظيم تنفيذها، وإنما في قدرته على البقاء وإعادة بناء نفسه تحت سقف صراع متعدد الأطراف.
هل نحن أمام تحالف دائم؟
ربما يكون من الخطأ وصف العلاقة بين الحوثيين والقاعدة بأنها تحالف دائم بالمعنى التقليدي.
الأدق أنها علاقة مصلحية مرنة، يمكن أن تتوسع عندما تتطابق الحسابات، وتتراجع عندما تتغير الظروف.
فالفارق الأيديولوجي بين الطرفين ما زال قائمًا، والمنافسة على النفوذ والموارد يمكن أن تعود في أي وقت. لكن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن هذا الاختلاف لم يمنع التعاون عندما وجد الطرفان مصلحة مشتركة.
وهنا يجب أن يتغير مفهوم مكافحة الإرهاب في اليمن...!!
فالتعامل مع القاعدة والحوثيين باعتبارهما ملفين منفصلين تمامًا قد لا يعكس الواقع الميداني الذي تكشفه التقارير الدولية. المطلوب هو مراقبة شبكات المصالح والتمويل والتهريب والاتصالات التي تربط مختلف الفاعلين، بدل الاكتفاء بتصنيف كل تنظيم أو جماعة في خانة منفصلة.
الخطر الأكبر هو اقتصاد الحرب
المشكلة في اليمن لم تعد فقط وجود تنظيم إرهابي هنا أو جماعة مسلحة هناك، وإنما نشوء بيئة تسمح لأطراف مختلفة بأن تستفيد من استمرار الفوضى.
وعندما يصبح السلاح موردًا، والتهريب مصدرًا للتمويل، والمعلومات الأمنية سلعة، ومناطق النفوذ ملاذات للحركة، فإن الحدود بين الجماعات الأيديولوجية وشبكات الجريمة المنظمة تصبح أكثر ضبابية.
ومن هذه الزاوية، فإن العلاقة بين الحوثيين والقاعدة تستحق دراسة تتجاوز السؤال التقليدي: هل تحالفا أم لا؟
السؤال الأهم هو: ما المصالح التي تجمعهما؟ وكيف تتحول هذه المصالح إلى قدرات فعلية على الأرض؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون مفتاحًا لفهم جانب مهم من مستقبل الإرهاب في اليمن.
فالتحدي القادم ربما لا يكون في ظهور تنظيم جديد، وإنما في قدرة التنظيمات الموجودة على التكيف، وتبادل الخبرات والموارد، واستغلال الفراغات الأمنية، وبناء علاقات مصلحية عابرة للخصومات الأيديولوجية.
وهذه، في تقديري، هي الزاوية التي ينبغي أن ينطلق منها أي نقاش جاد حول مستقبل مكافحة الإرهاب في اليمن.
#راجح_بامعلم
كاتب صحفي وباحث في مكافحة الإرهاب