20 أغسطس, 2026 08:33:11 م
كتب/ نصر الدولة (أبو سالم)
في أوقات الأزمات، تتغير معايير الحكم على الرجال. فالمناصب في أوقات الاستقرار قد تكون مساحة للعمل الإداري، لكن في زمن الحرب والاضطرابات وشح الموارد، تتحول المسؤولية إلى اختبار حقيقي للقدرة على الصمود، واتخاذ القرار، وتحمل الضغوط.
ومن هذا المنطلق، يبرز اسم المهندس محسن حمد بن وهيط، المدير التنفيذي للشركة اليمنية للغاز، باعتباره واحداً من المسؤولين الذين وجدوا أنفسهم في قلب واحدة من أكثر الملفات ارتباطاً بحياة المواطنين اليومية، وفي مرحلة لم تكن فيها مهمة إدارة قطاع الغاز مهمة اعتيادية أو سهلة.
لم يتسلم بن وهيط مسؤولية الشركة في ظروف طبيعية، ولم يجد أمامه سوقاً مستقرة وإمكانات وفيرة وبيئة عمل هادئة. بل جاء إلى موقعه في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وحرب مستمرة، وتحديات متراكمة في الإنتاج والإمداد والنقل والتوزيع، فضلاً عن ضغوط اجتماعية متزايدة تجعل من أي اضطراب في توفر الغاز قضية تمس حياة آلاف الأسر مباشرة.
في مثل هذه الظروف، لا تقاس المسؤولية بعدد التصريحات أو بحجم الحضور الإعلامي، وإنما بقدرة المسؤول على إبقاء عجلة العمل دائرة، وتأمين ما يمكن تأمينه من الإمدادات، ومحاولة الحد من انعكاسات الأزمات على المواطن.
وقد انصب جزء مهم من جهود إدارة الشركة على الحفاظ على استمرارية تموين السوق بالغاز، في حدود الإمكانات المتاحة، والعمل على تنظيم عملية التوزيع وتحقيق قدر من الاستقرار في السوق، بما يخفف من الأعباء التي يتحملها المواطن في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وهو تحدٍ لا يمكن اختزاله في الأرقام وحدها، لأن وراء كل أسطوانة غاز أسرة تنتظر احتياجاتها الأساسية، ومطعم يحاول الاستمرار، وسائق يبحث عن مصدر رزقه، وقطاعات خدمية وتجارية تعتمد على توفر هذه المادة الحيوية.
إدارة قطاع حيوي في بلد يعيش ظروفاً استثنائية ليست مجرد قرارات مكتبية، بل مواجهة يومية مع نقص الموارد، وتعقيدات السوق، وتضارب المصالح، ومحاولات الاستفادة من الأزمات.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن مبدأ حماية المواطن ومنع تحويل احتياجاته الأساسية إلى مجال للمضاربة أو الاستغلال. فكلما اشتدت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى إدارة تضع المصلحة العامة في مقدمة أولوياتها، وتتعامل مع ملف الغاز باعتباره خدمة أساسية لا سلعة عادية.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى بن وهيط باعتباره أحد المسؤولين الذين اختاروا الاستمرار في العمل تحت الضغط، بدلاً من الابتعاد عن المشهد عندما تصبح المهمة أكثر صعوبة.
ليس كل نقد موجهاً إلى مسؤول دليلاً على فشله، كما أن كل إشادة لا تعني بالضرورة نجاحه. المعيار الحقيقي هو النتائج والوقائع وقدرة المؤسسات الرقابية والإعلامية على التحقق من المعلومات بعيداً عن التوظيف الشخصي أو تصفية الحسابات.
لكن التجربة اليمنية أثبتت أن القطاعات المرتبطة بمعيشة الناس كثيراً ما تصبح ساحة لتضارب المصالح، وأن أي محاولة لإعادة تنظيم السوق أو الحد من الاختلالات قد تواجه مقاومة من أطراف اعتادت الاستفادة من الفوضى.
ولهذا، فإن الحكم على أداء أي مسؤول يجب أن يستند إلى الوثائق والبيانات والنتائج، لا إلى حملات التشهير أو الاتهامات غير الموثقة.
الإنصاف الحقيقي أن نقول كلمة الحق في حياة الإنسان، وأن نقيم تجربته وفق ما قدمه وما أنجزه وما واجهه من تحديات، لا أن ننتظر رحيله حتى نكتشف فجأة أنه كان يستحق التقدير.
والمهندس محسن حمد بن وهيط، بحكم موقعه ومسؤوليته، يظل شخصية عامة قابلة للنقد والتقييم والمساءلة، كما هو حق المجتمع والصحافة والجهات الرقابية. لكن النقد المسؤول يختلف تماماً عن حملات الاستهداف التي تقوم على التعميم أو التشهير أو إطلاق الأحكام دون أدلة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة هي الحكم الفصل.
قد لا تكون المرحلة الحالية هي المرحلة التي تسمح بتحقيق كل ما يتمناه المواطن أو ما تطمح إليه المؤسسة، لكن قيمة المسؤول تظهر تحديداً عندما تكون الظروف أصعب من المعتاد.
ففي الأزمات، لا يحتاج الوطن إلى كثرة الشعارات بقدر حاجته إلى رجال يتحملون المسؤولية، ويعملون وسط الظروف المعقدة، ويحاولون حماية مؤسسات الدولة والحفاظ على الخدمات الأساسية قدر المستطاع.
ومن هنا، فإن تجربة المهندس محسن بن وهيط تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الضجيج، وأن تُقيّم وفق الأداء والنتائج والوقائع، لا وفق الحملات المتداولة.
فالمناصب تذهب، والأسماء تتغير، لكن ما يبقى هو أثر المسؤول في مؤسسته، وما قدمه للمواطن، وكيف تعامل مع أصعب الاختبارات.
وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات، يصبح الثبات على المسؤولية قيمة بحد ذاتها؛ لأن الأوطان لا تحتاج فقط إلى من يتولى المنصب، وإنما إلى من يدرك أن المنصب مسؤولية، وأن خدمة المواطن هي الاختبار الحقيقي لكل من يتصدر المشهد.