ملفـات وتقـاريـر

22 أغسطس, 2026 10:29:22 م
تقرير/ صديق الطيار - قيصر ياسين:

في القضايا التي تمس صحة الإنسان وثقة المستهلك واستقرار الأسواق، لا ينبغي أن تكون الشائعة هي نقطة النهاية، ولا أن يتحول الانطباع إلى حكم، ولا أن يسبق الاتهام الدليل العلمي.
ومن هذه الزاوية، تبدو قضية السكر البرازيلي «UB» واحدة من الحالات التي أعادت التأكيد على قاعدة بسيطة لكنها بالغة الأهمية، وهي أن الحقيقة في قضايا سلامة الغذاء لا تحسمها كثافة التداول، وإنما تحسمها نتائج الفحص والجهة الرقابية المختصة.

فبعد أيام من الجدل والاتهامات التي طالت المنتج، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة تعميماً قضى بالإفراج عن كميات السكر البرازيلي «UB» التي خضعت للفحص، والسماح بتداولها في الأسواق، استناداً إلى نتائج تحاليل رسمية أجرتها ثلاث جهات رقابية ومختبرية مختصة، هي: الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، والمركز الوطني لمختبرات الصحة العامة المركزية، والهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية. وهي جهات يفترض أن تمثل المرجعية الفنية في تقييم سلامة المنتجات ومدى مطابقتها للمواصفات والاشتراطات المعتمدة.

*5 عينات 3 جهات رقابية ونتيجة واحدة*

وفق النتائج التي أعلنتها وزارة الصناعة والتجارة، جرى استلام خمس عينات من المنتج في 10 أغسطس 2026 من محافظة حضرموت - الوادي والصحراء، وإخضاعها للفحوصات اللازمة للتحقق من مدى مطابقتها للمواصفات والاشتراطات الصحية.

وأظهرت نتائج التحاليل أن العينات المفحوصة مطابقة للمواصفات والاشتراطات الصحية المعتمدة وصالحة للاستهلاك الآدمي، فيما جاءت نتائج الفحوصات الميكروبيولوجية والكيميائية ضمن الحدود المسموح بها.

وفي مؤشر أكثر تحديداً، تراوحت نسبة الرصاص في العينات بين 0.008 و0.011 ملغم/لتر، مقابل حد أقصى مسموح به يبلغ 0.1 ملغم/لتر، بما يعني أن القيم التي أظهرتها العينات جاءت أدنى بصورة كبيرة من الحد المشار إليه في نتائج الفحص.

أما الملاحظة التي سجلتها الجهات المختصة، فتعلقت بوجود ارتفاع طفيف في درجة اللون في بعض العينات، وهي ملاحظة أكدت الوزارة أنها لا تمنع تداول المنتج.

وهنا تصبح المسألة أكثر وضوحاً: لم تكتفِ الجهة المسؤولة بإصدار موقف إداري، وإنما جاء قرار الإفراج عن الشحنات عقب مسار فني ومخبري انتهى إلى نتيجة محددة بشأن العينات التي تم فحصها.

*عندما تتقدم النتيجة العلمية على الانطباع*

القضية في جوهرها لا تتعلق بالسكر وحده، وإنما بكيفية إدارة المعلومة عندما ترتبط بسلامة الغذاء.
ففي مثل هذه الملفات، يمكن أن تبدأ المعلومة بمنشور أو شكوى أو ادعاء، لكن لا يجوز أن تنتهي عند المستوى ذاته. الادعاء يحتاج إلى فحص، والفحص يحتاج إلى مختبر مختص، والنتيجة تحتاج إلى جهة رقابية قادرة على تفسيرها واتخاذ القرار المناسب بناءً عليها.
وهذا هو الفارق بين المعلومة التي تستحق النشر، والمعلومة التي لا تزال في مرحلة الادعاء.

فعبارات مثل «ملوث»، و«غير صالح»، و«غير مطابق» ليست أوصافاً إعلامية عابرة، بل اتهامات ذات آثار اقتصادية وصحية وقانونية، وبالتالي فإن إطلاقها يفترض وجود أدلة يمكن التحقق منها، وليس مجرد تداولها عبر منصات التواصل أو نقلها عن مصادر غير معلنة.

ومن هنا تكتسب نتائج الفحوصات الرسمية أهميتها، ليس لأنها تنهي النقاش فحسب، بل لأنها تنقل القضية من فضاء التكهنات إلى فضاء القياس العلمي والمرجعية الرقابية.

*الشائعة أسرع.. لكن الحقيقة أكثر بقاءً*

تكشف هذه القضية أيضاً عن مفارقة باتت حاضرة بقوة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أن الشائعة تستطيع أن تصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى إجراءات وفحوصات ووقت حتى تصل إلى الجمهور.

قد تكفي صورة مجهولة المصدر أو منشور مقتضب يحمل اتهاماً خطيراً حتى تبدأ موجة من إعادة النشر، ثم يتحول التكرار إلى ما يشبه «الإجماع» الوهمي، ويصبح من الصعب على المتلقي العادي التفريق بين الحقيقة والادعاء. لكن تكرار المعلومة لا يحولها إلى حقيقة.

وفي المقابل، لا تستطيع المختبرات أن تعمل بمنطق السرعة التي تعمل بها منصات التواصل. العينات تحتاج إلى استلام، وإجراءات فحص، وتحاليل، وقراءة للنتائج، ومقارنة بالحدود والمواصفات، ثم إصدار تقارير يمكن الاستناد إليها.
ولهذا، فإن الدرس الأهم من القضية هو أن بطء التحقق لا يعني ضعف الحقيقة، كما أن سرعة انتشار الادعاء لا تعني صحته.

*بين المنافسة التجارية وحدود المسؤولية*

في الأسواق التنافسية، من الطبيعي أن تتنافس الشركات والمنتجات على المستهلك، وأن تتباين الأسعار والجودة والحضور التجاري. لكن المنافسة تفقد مشروعيتها عندما تنتقل من مقارنة المنتجات إلى محاولة إسقاط المنافس عبر معلومات غير مثبتة.

ولا يعني ذلك أن كل انتقاد لمنتج تجاري هو بالضرورة حملة منظمة أو مؤامرة تجارية، فالمستهلك والتاجر والجهة الرقابية جميعهم يملكون الحق في السؤال والاعتراض والتحقق. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول السؤال إلى اتهام، والشك إلى «حقيقة»، والمعلومة غير المكتملة إلى حملة تستهدف السمعة التجارية قبل اكتمال الفحص.

وهنا تبرز أهمية المؤسسات الرقابية، لأنها تستطيع أن تفصل بين الشك الذي يستحق الفحص والمخالفة التي تثبتها النتائج.

وفي حال وجود مخالفة حقيقية، فإن الطريق الطبيعي هو اتخاذ الإجراءات القانونية والرقابية اللازمة، وليس الاكتفاء بحملات إعلامية قد تسبق المؤسسات المختصة.

*الإعلام.. عندما تصبح المعلومة مسؤولية*

القضية تضع الإعلام أيضاً أمام اختبار مهني حقيقي.
فالصحفي لا يفترض أن يكون مجرد ناقل سريع لما يقال، بل عليه أن يكون جزءاً من عملية التحقق. وكلما كان الاتهام أكثر خطورة، ارتفع مستوى التدقيق المطلوب قبل نشره.

وفي قضايا الغذاء تحديداً، يصبح التحقق أكثر أهمية، لأن الخبر قد يؤثر في قرار المستهلك، وفي سمعة شركة، وفي حركة الاستيراد والتوزيع، وربما في استقرار سوق سلعة أساسية.

والقاعدة المهنية هنا واضحة: اسأل عن الوثيقة، ارجع إلى الجهة المختصة، استمع إلى الطرف المعني، وتحقق من النتائج قبل إصدار الأحكام.

أما تحويل الاتهام إلى حقيقة لمجرد أنه ورد في منشور أو تصريح، فهو لا يخدم حق الجمهور في المعرفة، بل قد يحوله إلى ضحية للمعلومة غير المكتملة.

كما أن المسؤولية لا تقع على الصحفي وحده، فالمؤسسات الإعلامية التي تنشر اتهامات تمس سلامة المنتجات مطالبة هي الأخرى بامتلاك الحد الأدنى من إجراءات التحقق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصحة المستهلكين.

*منصات التواصل.. حين يصبح التكرار بديلاً عن الدليل*

تبدو وسائل التواصل الاجتماعي في هذه القضية جزءاً من المشكلة وجزءاً من الحل في الوقت نفسه.
فهي تستطيع نشر المعلومة بسرعة غير مسبوقة، لكنها في المقابل تتيح للمعلومة غير الموثقة أن تتضخم قبل أن تصل الجهات المختصة إلى مرحلة إصدار نتائجها.

وقد تتحول عبارة واحدة إلى عشرات المنشورات، ثم إلى مئات التعليقات، وبعدها إلى «قصة» مكتملة في ذهن الجمهور، رغم أن أصلها قد يكون مجرد ادعاء لم يخضع لأي فحص.

لهذا، فإن التعامل مع الأخبار المتعلقة بسلامة الغذاء يتطلب قدراً أكبر من الوعي الرقمي: المصدر مهم، والوثيقة أهم، والجهة المختصة هي الفيصل.
ولا يمكن لمنشور إلكتروني، مهما بلغت نسبة التفاعل معه، أن يحل محل تقرير مخبري صادر عن جهة فنية مختصة.

*الإفراج عن الشحنات.. ماذا يعني القرار؟*

قرار وزارة الصناعة والتجارة بالإفراج عن الكميات التي شملها الفحص لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد إجراء إداري، وإنما باعتباره نتيجة لمسار رقابي يربط بين الفحص والقرار.

فالوزارة، وفق ما أعلنته، تعاملت مع القضية من زاوية مسؤوليتها عن ضبط الأسواق والتحقق من سلامة السلع الغذائية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على انسيابية الإمدادات التموينية وعدم تعطيل حركة السلع من دون مسوغ فني أو قانوني.

وهذه المعادلة مهمة في بلد يعاني أصلاً من اضطرابات اقتصادية وتحديات في سلاسل الإمداد، إذ إن أي قرار غير مبني على أدلة قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز المنتج نفسه، فتنعكس على التجار والمستهلكين والأسعار وحركة السوق.

وفي المقابل، فإن ثبوت أي مخالفة حقيقية يجب أن يقود إلى إجراءات صارمة، لأن حماية المستهلك ليست مجالاً للمساومة.

*الدليل لا يدافع عن شركة.. بل يحمي السوق*

الأهم في هذه القضية ألا يتحول الجدل إلى معركة بين مؤيدين لمنتج ومعارضين له.
فنتائج المختبرات ليست «دفاعاً» عن شركة بقدر ما هي آلية لحماية السوق من القرارات والانطباعات غير العلمية. فإذا ثبتت المخالفة، يجب أن يتحمل المنتج أو المستورد أو المورد المسؤولية وفق القانون. وإذا أثبتت الفحوصات المطابقة، فمن حق المنتج أيضاً ألا يبقى أسيراً لاتهامات لم تثبت.
وفي الحالتين، المستفيد الأول من الاحتكام إلى المختبر والجهة الرقابية هو المستهلك.

لذلك، فإن القضية تطرح سؤالاً أوسع من سكر «UB»: هل نريد سوقاً تحكمه الشائعة، أم سوقاً تحكمه المواصفات؟
الإجابة يفترض أن تكون واضحة: المواصفة أولاً، والفحص ثانياً، والقرار الرقابي ثالثاً، والإعلام ينقل الحقيقة كما تثبتها الوثائق.

*ما بعد القضية.. الحاجة إلى منظومة تحقق أكثر شفافية*

وربما يكون الدرس الأهم هو ضرورة تعزيز الشفافية في قضايا الغذاء، بحيث لا تترك المساحة فارغة أمام الشائعات.
فكلما كانت الجهات الرقابية أسرع في توضيح نتائج الفحوصات، وأكثر قدرة على نشر المعلومات الفنية بصورة مفهومة للجمهور، تقلصت المساحة التي تتحرك فيها الأخبار المضللة.

كما أن نشر البيانات الأساسية المتعلقة بالفحوصات، وفق ما تسمح به الأنظمة، يساعد المستهلك على فهم طبيعة القرار الرقابي، ويعزز الثقة بالمؤسسات المختصة.

وفي المقابل، يحتاج الإعلام إلى تطوير أدواته في التعامل مع القضايا الفنية، بحيث لا يتعامل مع تقارير المختبرات بوصفها وثائق معقدة يصعب فهمها، بل يحولها إلى معلومات مبسطة يستطيع المواطن استيعابها دون تهويل أو تضليل.

*الخلاصة: حين تتحدث الوثيقة يصمت الضجيج*

قضية السكر البرازيلي «UB» تقدم نموذجاً واضحاً للصراع بين سرعة الشائعة وبطء التحقق، وبين المعلومة التي تنتشر لأنها مثيرة، والمعلومة التي تصمد لأنها موثقة.

وقد جاءت نتائج الفحوصات التي أعلنتها الجهات المختصة لتضع حداً للجدل بالنسبة إلى العينات التي خضعت للفحص، مؤكدة مطابقتها للمواصفات والاشتراطات الصحية المعتمدة، وهو ما ترتب عليه قرار الإفراج عن الكميات المشمولة بالفحص.

لكن القيمة الأوسع للقضية تكمن في الدرس الذي تتجاوزه: لا يجوز أن يصبح تكرار الادعاء بديلاً عن إثباته، ولا أن تتحول المنافسة التجارية إلى معركة معلومات، ولا أن يصبح الإعلام منصة لإصدار الأحكام قبل اكتمال الأدلة.

في النهاية، قد تنتصر الشائعة لساعات، وقد تتصدر المنصات وتملأ الفضاء العام ضجيجاً، لكن الحقيقة التي تستند إلى وثيقة وفحص ومرجعية علمية تملك قدرة أكبر على البقاء.

وفي قضايا سلامة الغذاء، لا ينبغي أن يكون السؤال: من قال؟ بل: ما الدليل؟ ومن فحص؟ وماذا قالت النتائج؟

وعندما تأتي الإجابة من المختبر والجهة الرقابية المختصة، يصبح من واجب الجميع احترامها، وإعادة تصحيح ما سبق أن نُشر من معلومات ثبت عدم استنادها إلى دليل علمي.




رأيكم يهــمنا

تهمّنا آراؤكم لذا نتمنى على القرّاء التقيّد بقواعد التعليقات التالية :
أن يكون للتعليق صلة مباشرة بمضمون المقال.
أن يقدّم فكرة جديدة أو رأياً جدّياً ويفتح باباً للنقاش البنّاء.
أن لا يتضمن قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم.
أن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.
لا يسمح بتضمين التعليق أية دعاية تجارية.