27 فبراير, 2026 04:36:00 ص
بقلم | نعمة علي أحمد السيلي:
عندما يجد صاحب الحق أن حقه قد اغتُصب دون وجه حق، فليس أمامه سوى الدفاع عنه وصونه بكل الوسائل المشروعة.
فنحن أبناء مشيخة العقارب، التي انفصلت عن سلطنة العبدلي عام 1770م، والسكان الأصليون لمحافظة عدن، وجدنا أن هناك من يحاول تجريدنا من هذا الحق دون مسوغ قانوني، رغم ما لمسوه منا من إيمان صادق بحق التعايش مع الآخر، الذي عاش معنا قروناً طويلة.
ولم نكن يوماً ممن ينكر فضل غيره، أو يجرد الآخرين من حق الانتماء إلى عدن وأهلها؛ لأننا نؤمن إيماناً راسخاً بأن عدن مدينة التعايش والمحبة والسلام.
لقد سكن عدن ابن الجنوب وابن الشمال، والصومالي والهندي واليهودي وغيرهم من الجنسيات، وشكّلوا جميعاً نسيجها الاجتماعي المتماسك، ونشأت بينهم روابط أسرية وثيقة.
ولسنا عنصريين حتى ننكر هذا الواقع، بل نعتبر كل من عاش في عدن وأسهم في نهضتها جزءاً منها، ونجلّ الأسر العريقة التي قدمت خدمات جليلة لعدن وأهلها في مختلف مجالات الحياة.
وإيماناً بقوله تعالى:
﴿فَهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
فإننا، مع كامل الاحترام للجميع، لا نقبل أن يُنكر حقنا في كوننا أبناء عدن الأصليين. فالبعض يحصر مفهوم “العدانية” في نطاق جغرافي ضيق، متجاهلاً — بحسن نية أو بغير ذلك — أن أبناء عدن الأصليين هم أبناء مشيخة العقارب التي انفصلت عن سلطنة العبدلي عام 1770م.
وأبناء مشيخة العقارب هم أبناء بئر أحمد، والحسوة، والمهرام، والخيسة، وفقم، وعمران. وهذه حقيقة تاريخية.
أما بقية المناطق، فقد نشأت وتوسعت لاحقاً، وبعض سكانها من أسر عريقة استقرت في عدن منذ قرون وأسهمت في بنائها.
إنصافنا — ولو لمرة واحدة — مطلب عادل، بعيداً عن حصر “العدانية” في مظاهر أو تصنيفات اجتماعية ضيقة.
وقد يظن البعض أن حديثي شخصي، وهذا غير صحيح؛ فأنا أتحدث باسم أبناء عدن الأصليين من سكان مشيخة العقارب الذين تعرضوا للظلم والتهميش.
أما بقية المناطق فقد استُحدثت بعد الاحتلال البريطاني لعدن. وربما يرجع ادعاء البعض بأنهم أبناء عدن الأصليين إلى أن معظم أسر تلك المناطق عملت في الصيد أو الزراعة، أو كعمال مع شركة بكتل التي بنت المصفاة، ثم انتقلوا للعمل مع شركة بي بي التي أنشأت مصفاة عدن عام 1954م.
وللتاريخ، فقد أكدت شركة بي بي آنذاك أن الأولوية في التوظيف ستكون لأبناء هذه المناطق، وتحديداً أبناء الخيسة الذين رُحّلوا من موطنهم الأصلي “أمبريقة”، التي كانت بيوتاً خشبية قريبة من ساحل عرادية. وكانت المنطقة الممتدة من محكمة البريقة حتى دكة الكباش في المعلا بحراً آنذاك.
وكان سكان التواهي يأتون بقوارب لجلب المياه من صهريج أمبريقة، الذي أصبح — للأسف — مهملاً ويستخدمه البعض لسقي المواشي، منذ انتقال أجدادنا وآبائنا إلى قرية الخيسة دون أن يحظى بأي اهتمام.
لقد قام الاحتلال البريطاني بردم البحر، وبنى جسر البريقة وجسر الشيخ في خور مكسر. وكانت التواهي آنذاك مركزاً للفحم، بينما كان الميناء في صيرة.
ثم اختار الاحتلال البريطاني موقع ميناء عدن الحالي في التواهي، لما يتمتع به من مزايا فريدة، منها الحماية الطبيعية بالجبال المحيطة كجبل المزلقم في أمبريقة وجبل شمسان في المعلا، إضافة إلى عمق البحر الذي يؤهله لاستقبال السفن العملاقة، وموقعه الاستراتيجي في ملتقى طرق التجارة العالمية.
وعندما بحثت شركة بي بي عن أرض لبناء مساكن لموظفيها الأجانب، وقع الاختيار على قرية أجدادنا “أمبريقة”.
ولا نعلم على وجه الدقة كيف تم ترحيلهم إلى الخيسة: هل كان ذلك تنازلاً للمصلحة العامة أم ترحيلاً قسرياً؟ فقد بنت لهم الشركة بيوتاً من الجَرَع والنورة، تتكون من مخزن ودارة، شبيهة ببيوت القطيع في كريتر، مع اختلاف مادة البناء.
حصل بعضهم على مخزن واحد، وآخرون على مخزنين، وقلة نادرة على أكثر من ذلك.
وتعهدت الشركة بأن تكون الأولوية في التوظيف لأبناء الخيسة عند الحاجة إلى العمالة، لكن هذا التعهد لم يتحقق بعد رحيلها، إذ أعطى الكادر المحلي الأولوية لذوي القربى.
كما تعهدت بتوفير الكهرباء والمياه مجاناً لأبناء الخيسة، وهناك اتفاقيات كانت محفوظة لدى مشايخ وأعيان المنطقة، معظمهم — رحمهم الله — قد انتقلوا إلى جوار ربهم، ولا نعلم إن كان أحفادهم يحتفظون بهذه الوثائق.
أما المناطق المجاورة لكود النمر، فقد بُنيت بعد تشغيل مصفاة عدن لإسكان الموظفين والعمال المحليين، وكانت تُعرف بتصنيفات: A Class وB Class وC Class.
هذه حقائق تاريخية يجهلها كثيرون، بينما يمنح البعض لأنفسهم صفة “أبناء عدن الأصليين”، وهو ما يمثل — في نظرنا — تجاهلاً لحق تاريخي ثابت.
ولعل الأنسب لنا جميعاً أن نتفق على مراعاة حقوق بعضنا البعض، وأن نحفظ لعدن تاريخها وهويتها الجامعة، بعيداً عن الإقصاء أو الإنكار.
والله من وراء القصد.