بقلم | موسى المليكي:
في الوقت الذي تتدفق فيه الأموال والدعم نحو تشكيلات عسكرية خارجة عن إطار الدولة، يقف آلاف الجرحى المعاقين وأسر الشهداء من أفراد الجيش الوطني التابع للحكومة الشرعية في طوابير النسيان، يحملون أجسادًا أنهكتها الحرب وقلوبًا أثقلها الجحود والإهمال.
هؤلاء الذين قاتلوا دفاعًا عن الجمهورية والشرعية، وواجهوا الموت في الجبهات، لم يكونوا يبحثون عن امتيازات أو ثراء، بل كانوا يؤمنون أنهم يدافعون عن وطن ودولة ومشروع يستحق التضحية.
لكن المفارقة المؤلمة أن كثيرًا منهم عادوا من الحرب بإعاقات دائمة، أو عادوا ملفوفين بالأكفان، لتجد أسرهم نفسها لاحقًا وحيدة في مواجهة الفقر والخذلان.
جرحى الجيش اليوم يعيشون أوضاعًا مأساوية لا تليق بمن ضحوا بأجسادهم من أجل الوطن. بعضهم فقد أطرافه، وآخرون فقدوا القدرة على الحركة أو العمل، ومع ذلك تُركوا بلا رواتب منتظمة، ولا رعاية صحية حقيقية، ولا برامج تأهيل تحفظ لهم كرامتهم.
كثير من الجرحى يواجهون المرض والعجز في غرف متواضعة، عاجزين حتى عن توفير تكاليف العلاج أو احتياجات أسرهم الأساسية.
أما أسر الشهداء، فقصتهم أكثر وجعًا. زوجات فقدن المعيل الوحيد، وأطفال كبروا على صور آبائهم المعلقة على الجدران بدلًا من وجودهم الحقيقي بينهم. ورغم حجم التضحيات، تعيش هذه الأسر في ظروف قاسية، تتقاذفها الوعود الرسمية والخطابات العاطفية دون أي حلول جادة أو التزام حقيقي بحقوقهم.
الأشد إيلامًا أن هذا الإهمال يتزامن مع دعم واسع وتحشيد مالي وعسكري لتشكيلات أخرى لا تخضع بشكل كامل لسلطة الحكومة الشرعية، بل إن بعضها ينازع الدولة نفوذها وسلطتها على الأرض.
في الوقت الذي يُترك فيه الجريح بلا علاج، وتُترك أسرة الشهيد بلا راتب، تُصرف الأموال بسخاء على قوات تمتلك الدعم والتجهيز والامتيازات.
هذا التناقض يفتح بابًا واسعًا للأسئلة المؤلمة: كيف يمكن لدولة أن تتخلى عن جنودها الذين قاتلوا تحت رايتها؟ وكيف يُكافأ المخلصون بالإهمال بينما تُمنح الأفضلية لقوى أخرى لا تؤمن أصلًا بمشروع الدولة؟.
إن استمرار هذا الوضع لا يمثل مجرد أزمة إنسانية، بل خطرًا وطنيًا وأخلاقيًا كبيرًا. فالجندي الذي يرى مصير رفاقه بعد الإصابة أو الاستشهاد لن يجد الدافع للقتال أو التضحية، والمجتمع الذي يشاهد أسر الشهداء تُهان بالفقر والحاجة سيفقد ثقته بكل الشعارات التي رفعت باسم الوطن والشرعية.
تكريم الجرحى ورعاية أسر الشهداء ليس مِنّة من أحد، بل واجب أخلاقي ووطني وقانوني. هؤلاء دفعوا أثمانًا باهظة كي تبقى الدولة قائمة، وأقل ما يمكن تقديمه لهم هو حياة كريمة تحفظ لهم حقوقهم وتضحياتهم.
فالأوطان لا تُبنى بالخطب وحدها، بل بالوفاء لمن ضحوا من أجلها.