16 أغسطس, 2026 11:39:20 م
بقلم/ بسام البان أبو خليفة
في ظل استمرار الصراع الذي تشهده الساحة اليمنية، تبرز جبهات الساحل الغربي باعتبارها واحدة من أكثر مناطق التماس أهمية، حيث تتواصل المواجهات العسكرية بين القوات الحكومية والتشكيلات المنضوية ضمنها من جهة، ومليشيات الحوثي من جهة أخرى، وسط تعقيدات ميدانية وسياسية ألقت بظلالها على مسار الحرب خلال السنوات الماضية.
وتأتي قوات المقاومة الوطنية بقيادة الفريق الركن "طارق صالح" في مقدمة القوات التي تنتشر في مناطق الساحل الغربي، وتشارك في عمليات عسكرية وأمنية ضمن نطاق مسؤولياتها، خصوصاً في محاور محافظة الحديدة ومناطق غرب محافظة تعز، وفي مقدمتها جبهة البرح ومحيطها.
وبعيداً عن الخطاب السياسي والإعلامي المتباين حول الحرب، فإن الوقائع الميدانية تؤكد أن القوات المنتشرة في هذه الجبهات تواجه تحديات عسكرية وأمنية متواصلة، في منطقة جغرافية ذات أهمية استراتيجية، نظراً لقربها من البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية، فضلاً عن ارتباطها بمناطق واسعة من الساحل والداخل اليمني.
حضور ميداني وتحديات متواصلة
خلال السنوات الماضية، خاضت القوات المشتركة في الساحل الغربي، بمختلف تشكيلاتها، مواجهات عنيفة مع جماعة الحوثي، وشهدت جبهات القتال عمليات تقدم وتراجع وهدوء نسبي تبعته جولات جديدة من التصعيد.
وتحظى قوات المقاومة الوطنية بحضور عسكري واضح في هذه الجبهات، فيما يتركز جزء من مهامها على حماية مواقع التماس ومراقبة التحركات العسكرية، إلى جانب المشاركة في العمليات الأمنية والعسكرية وفق طبيعة التطورات على الأرض.
ولا تقتصر أهمية الساحل الغربي على البعد العسكري فحسب، إذ يمثل البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة والعالم، الأمر الذي جعل الأمن البحري ومواجهة عمليات التهريب والأنشطة التي يمكن أن تهدد الملاحة الدولية جزءاً من المشهد الأمني الأوسع.
الأمن البحري ومواجهة التهريب
وتشير البيانات والتقارير الصادرة خلال السنوات الماضية إلى تنفيذ عمليات أمنية في البحر الأحمر استهدفت شبكات تهريب يُشتبه في ارتباطها بجماعة الحوثي، بما في ذلك ضبط شحنات من الأسلحة والمعدات العسكرية.
كما شهدت المنطقة البحرية حوادث مرتبطة باستخدام الزوارق المفخخة والألغام البحرية والطائرات المسيّرة، وهي تهديدات رفعت من أهمية الدور الذي تضطلع به الوحدات البحرية والأمنية والاستخباراتية العاملة في الساحل الغربي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية العمل الاستخباراتي والأمني في إحباط العمليات قبل وصولها إلى أهدافها، باعتبار أن المعركة الحديثة لا تعتمد على القوة النارية وحدها، بل تقوم كذلك على جمع المعلومات وتحليلها ومراقبة خطوط الإمداد ومنع وصول الأسلحة والمعدات إلى مناطق الصراع.
من جبهات القتال إلى معركة استعادة الدولة
وبالنسبة لأنصار المقاومة الوطنية، فإن المعركة لا تُختزل في المواجهات العسكرية المباشرة، وإنما ترتبط بمشروع أوسع يتمثل، وفق خطابها السياسي والعسكري، في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب وإعادة الاعتبار لمؤسسات الجمهورية.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب يؤكد أن الحسم العسكري وحده لا يمثل حلاً شاملاً للأزمة اليمنية، وأن أي تقدم ميداني يحتاج في نهاية المطاف إلى مسار سياسي قادر على معالجة جذور الصراع، ووقف الحرب، وضمان مستقبل الدولة ومؤسساتها.
ومن هنا تبدو أهمية الحفاظ على وحدة الصف الجمهوري وتنسيق الجهود بين مختلف القوات المناهضة للحوثيين، بعيداً عن الخلافات والمنافسات السياسية التي يمكن أن تنعكس سلباً على مسار المعركة وعلى أمن المناطق المحررة.
الساحل الغربي.. جبهة ذات حسابات استراتيجية
تمثل جبهات الساحل الغربي واحدة من أكثر الجبهات حساسية في المعادلة اليمنية، ليس بسبب موقعها الجغرافي فحسب، وإنما لارتباطها بالبحر الأحمر وموانئ الحديدة وخطوط الملاحة الدولية.
ولهذا فإن أي تطور عسكري في هذه المنطقة يحمل أبعاداً تتجاوز حدود الجبهة المحلية، خصوصاً في ظل التوترات التي شهدها البحر الأحمر خلال الفترة الأخيرة، وما رافقها من هجمات على السفن وتهديدات للملاحة الدولية.
وقد أظهرت التجارب السابقة أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة نهاية المعركة، إذ إن الصراع اليمني يرتبط بعوامل سياسية وإقليمية ودولية متشابكة، الأمر الذي يجعل أي عملية عسكرية بحاجة إلى رؤية متكاملة تجمع بين الأمن والسياسة والاقتصاد وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
معركة طويلة تحتاج إلى رؤية وطنية
إن استمرار المواجهات في جبهات الساحل الغربي يضع القوات الموجودة على خطوط التماس أمام مسؤولية كبيرة، سواء على المستوى العسكري أو الأمني، في ظل طبيعة المنطقة الجغرافية وحساسية خطوط الملاحة البحرية.
وفي الوقت ذاته، فإن حماية المدنيين والحفاظ على البنية التحتية ومنع توسع رقعة المواجهات يجب أن تظل من الأولويات الأساسية في أي عمل عسكري، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى تحقيق تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتضع حداً لمعاناة اليمنيين.
وتبقى قوات المقاومة الوطنية، باعتبارها إحدى القوى العسكرية الفاعلة في الساحل الغربي، جزءاً من المشهد العسكري اليمني المعقد، فيما تظل قدرتها على مواصلة مهامها مرتبطة بالتطورات الميدانية وبطبيعة التنسيق مع بقية القوات والمؤسسات الحكومية.
وفي نهاية المطاف، فإن المعركة الحقيقية التي ينتظرها اليمنيون ليست مجرد انتصار عسكري على جبهة هنا أو هناك، وإنما الوصول إلى دولة مستقرة تمتلك مؤسساتها وقانونها وسيادتها، وتكون قادرة على حماية مواطنيها وإنهاء أسباب الصراع وإعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب.
ومن هذا المنطلق، فإن أي جهد عسكري أو أمني ينبغي أن يصب في هدف أوسع: استعادة الدولة، حماية اليمنيين، وتثبيت الأمن والاستقرار، وتهيئة الظروف أمام سلام شامل وعادل ومستدام.