18 أغسطس, 2026 03:07:01 م
عدن (صوت الشعب) نبيل غالب:
لم يعد الحديث عن تمكين المرأة في اليمن ترفاً إعلامياً أو بنداً شكلياً في تقارير المنظمات. اللقاء الذي جمع أمس في العاصمة عدن بين وزير الزراعة والري والثروة السمكية، اللواء الركن سالم السقطري، ووزيرة الدولة لشؤون المرأة، الدكتورة عهد جعسوس، وضع نقطة تحول واضحة: إخراج المرأة الريفية والساحلية من هامش الدعم إلى قلب خطط الإنتاج والأمن الغذائي.
أهم ما في اللقاء أنه بدأ من مسلّمة واقعية. الوزير السقطري لم يتحدث عن المرأة كـ "فئة مستهدفة" فقط، بل اعترف بدورها المباشر والحيوي في الإنتاج والتصنيع والتسويق. هذا الاعتراف الحكومي له دلالة عميقة. فعندما تقول وزارة الزراعة والأسماك أن "تمكين المرأة الريفية والساحلية يمثل أحد الجوانب المهمة في برامج التنمية" فهي تقر بأن نصف معادلة الأمن الغذائي كانت مغيبة طوال السنوات الماضية. المرأة في الريف والساحل ليست مجرد "ربة منزل". هي من تزرع، وتحصد، وتصنع الأجبان، وتجف الأسماك، وتسوق في الأسواق المحلية. تجاهلها كان يعني إهداراً لنصف طاقة القطاعين الزراعي والسمكي.
واللافت في مخرجات اللقاء هو الانتقال من منطق "المساعدات" إلى منطق "سلاسل القيمة". فبدلاً من الاكتفاء بتوزيع بذور أو شباك صيد، تحدث الوزيران عن ربط النساء بالأسواق، ورفع القيمة المضافة للمنتجات، ودعم التصنيع الغذائي، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة. هذه هي النقلة الحقيقية. فتمكين المرأة لا يتحقق بقرض صغير ينتهي، بل بدمجها في الاقتصاد الرسمي. عندما ترتبط منتجات المرأة الريفية بسلاسل التوريد والتصدير، يتحول دخل الأسرة من "يومي" إلى "مستدام"، ويتحول دورها من "مساند" إلى "منتج رئيسي".
وتكمن نقطة القوة في هذا اللقاء في أنه جمع بين "القطاع الفني" المتمثل بوزارة الزراعة والري والثروة السمكية، و"القطاع الحقوقي والتنسيقي" المتمثل بوزارة شؤون المرأة. الاتفاق على "بناء آلية تنسيق مشتركة" يعني أن ملف المرأة لن يبقى حبيس مذكرات التفاهم، بل سيتحول إلى برامج ومشاريع عملية قابلة للتنفيذ ومدمجة في خطط الوزارة. وجود أسماء مثل وكيل الوزارة لقطاع الإنتاج الزراعي المهندس عبدالملك ناجي، و مديرة مركز المعلومات المهندسة رحاب رفيق، و مسؤولة التمكين الاقتصادي الدكتورة هناء العبد بوزارة شؤون المرأة في اللقاء يعطي مؤشراً أن هناك نية لتطوير بيانات ودراسات حقيقية عن مشاركة المرأة. وهذه أول خطوة نحو تخطيط سليم. لا يمكن أن تدعم ما لا تستطيع قياسه وفهمه.
يبقى التحدي الحقيقي أمام السقطري وجعسوس هو الترجمة. كيف ستتحول "إبراز قصص النجاح النسائية" إلى سياسات تمويل؟ وكيف ستصل "التدخلات الموجهة للمرأة" إلى المرأة في مديرية الريدة أو في ساحل المخا وليس فقط في عدن؟ نجاح هذه الشراكة سيُقاس بعد عام بشيئين: الأول زيادة عدد النساء المسجلات في الجمعيات التعاونية الزراعية والسمكية، والثاني ظهور منتجات زراعية وسمكية "صنع بأيادي نسائية" في الأسواق الداخلية والخارجية.
اللقاء لم يكن بروتوكولياً. كان إعلاناً أن الأمن الغذائي في اليمن لن يتحقق بدون المرأة. وأن التنمية الريفية المستدامة تبدأ عندما نمنح من تحملت عبء الحرب والفقر والإنتاج معاً مقعدها على طاولة القرار.
والسؤال الآن ليس "هل نُمكّن المرأة؟" بل "كيف نسرّع تمكينها قبل أن يفوتنا قطار التنمية؟"