ملفـات وتقـاريـر

03 أكتوبر, 2026 02:17:48 ص

عدن - صوت الشعب:
تحليل وتقديم | بسام البان أبو خليفة
3 أكتوبر 2026

⚫ مقدمة

لم تعد المعارك الممتدة على الحدود بين محافظتي تعز ولحج مجرد جولة جديدة من جولات الصراع اليمني، بل بدأت تتحول إلى اختبار عسكري وسياسي لطبيعة ميزان القوى في جنوب غرب اليمن، في ظل انتقال العمليات من حالة الجمود النسبي إلى مستوى مرتفع من التصعيد، بالتزامن مع تغيرات ميدانية أوسع على الساحل الغربي ومحيط باب المندب.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الجغرافي؛ فهي تقع عند نقطة التقاء ثلاثة مسارات استراتيجية: تعز باعتبارها عقدة جغرافية بين شمال اليمن وجنوبه، والممرات المؤدية إلى عدن، والمناطق الجبلية المشرفة على الساحل الغربي وباب المندب.

وبالتالي، فإن السيطرة على المرتفعات والممرات في هذه المنطقة لا تعني مجرد إضافة مساحة إلى خريطة النفوذ، بل تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على التأثير في الحركة والاتصال بين مناطق العمليات.

وتشير المعطيات الميدانية الحديثة إلى أن الحوثيين يحاولون استثمار مكاسبهم الأخيرة على الساحل الغربي وتوسيع نطاق الضغط باتجاه المرتفعات والممرات الداخلية، بينما تسعى القوات الحكومية والتشكيلات المتحالفة معها إلى منع تحول هذه المكاسب إلى اختراق بري واسع باتجاه تعز أو المناطق الجنوبية.

وقد انعكس ذلك في اتساع رقعة الاشتباكات على محاور متعددة، بالتزامن مع ارتفاع مستوى استخدام القوة الجوية.

ففي 2 أكتوبر أعلنت الحكومة اليمنية تنفيذ 20 غارة خلال ثلاث ساعات ضد أهداف حوثية في محافظة تعز، في مؤشر على ارتفاع مستوى التصعيد.

وفي المقابل، امتد الضغط الحوثي إلى عدة محاور في تعز ولحج، مع استمرار القتال في نطاق كهبوب والمضاربة والصبيحة والوازعية، إلى جانب جبهات داخل محافظة تعز.

المغزى الأهم هنا أن المعركة لا تُقاس فقط بالمواقع التي ينتزعها أحد الطرفين، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بها وربطها بخطوط اتصال وإمداد مستقرة.

ومن ثم، فإن السؤال المركزي لهذا التقدير هو:

�هل يستطيع الحوثيون تحويل الضغط المتعدد المحاور إلى اختراق جغرافي مستدام، أم تتمكن القوات الحكومية وحلفاؤها من احتواء الهجوم والمحافظة على خطوطها الرئيسية؟�

⚫ أولاً: المشهد العملياتي

يمكن قراءة الجبهة الحالية باعتبارها مسرحاً مترابطاً بدلاً من التعامل مع كل محور بصورة منفصلة.

يمتد نطاق العمليات من الوازعية ومناطق جنوب وغرب تعز باتجاه كهبوب والمضاربة والصبيحة في لحج، فيما تشكل جبهات الكدحة وجبل حبشي ومقبنة امتداداً للضغط داخل تعز.

وتشير التقارير إلى أن القتال اتخذ طابعاً متعدد المحاور، الأمر الذي يجعل قيمة الموقع مرتبطة بموقعه داخل شبكة الجبهة أكثر من قيمته الجغرافية المنفردة.

⚫ ثانياً: خريطة السيطرة العامة

الخريطة التالية تصورية وليست خريطة عملياتية دقيقة:

شمال
↑

مناطق نفوذ حوثية
│
الحوبان / شرق تعز
│
┌──────┴──────┐
│ مدينة تعز │
└──────┬──────┘
│
الكدحة – جبل حبشي
│
الوازعية
│
مناطق التماس
│
كهبوب
│
المضاربة / الصبيحة
│
رأس العارة
│
عدن

الساحل الغربي ← باب المندب

وتبقى خطوط التماس متغيرة، خصوصاً في المناطق الجبلية، ولذلك لا ينبغي التعامل مع الرسم باعتباره خريطة لحظية للسيطرة.

⚫ ثالثاً: أهداف الأطراف واتجاهات الحركة

🔸 الحوثيون

تبدو تحركات الحوثيين مرتبطة بثلاثة أهداف مترابطة:

- أولاً، حماية المكاسب الساحلية ومنع القوات المناهضة لهم من استعادة زمام المبادرة باتجاه المناطق الساحلية.

- ثانياً، الضغط على شبكة الاتصال بين تعز والجنوب، بما يزيد صعوبة حركة القوات الحكومية ويضع تعز أمام ضغط جغرافي أكبر.

- ثالثاً، إجبار خصومهم على توزيع قواتهم عبر فتح أو تنشيط أكثر من محور في وقت واحد.

وبذلك يمكن فهم الهجمات الحالية باعتبارها محاولة لاختبار قدرة الخصم على الدفاع عن جبهة واسعة، وليس بالضرورة تمهيداً فورياً لهجوم شامل على مدينة تعز.

🔸 القوات الحكومية وحلفاؤها

يتمثل الهدف الأساسي في احتواء التوسع الحوثي والحفاظ على الممرات والمرتفعات الرئيسية، مع منع الربط بين مناطق النفوذ الحوثية في الساحل والعمق الداخلي.

وتشكل العمالقة ودرع الوطن والقوات الحكومية والمقاومة المحلية وقبائل الصبيحة مكونات أساسية في هذا الجانب من الجبهة، مع تفاوت في طبيعة القيادة والتنظيم بين هذه التشكيلات.

⚫ رابعاً: ميزان القوة

🔸 الحوثيون

#عناصر القوة

- القدرة على المبادرة وفتح أكثر من محور.
- وجود عمق جغرافي في شمال وشرق تعز.
- الاستفادة من السيطرة على مناطق واسعة من الساحل الغربي.
- امتلاك قدرة على نقل الضغط بين الجبهات بحسب تطورات المعركة.

#عناصر الضعف

- صعوبة تثبيت المكاسب في التضاريس الجبلية.
- طول خطوط الانتشار نتيجة اتساع نطاق السيطرة.
- الحاجة إلى تخصيص موارد لحماية المناطق الساحلية والممرات.
- محدودية القدرة على تحويل كل تقدم موضعي إلى تغيير استراتيجي.

🔸القوات الحكومية والحلفاء

#عناصر القوة

- أفضلية نسبية للمدافع في التضاريس الجبلية.
- وجود تشكيلات عسكرية وقبلية متعددة.
- معرفة محلية جيدة بالمناطق الجبلية.
- توفر دعم جوي في مرحلة التصعيد الحالية.

#عناصر الضعف

المشكلة الأبرز تتمثل في تعدد مراكز القرار العسكري.

فتعدد التشكيلات يمكن أن يوفر مرونة محلية، لكنه قد يتحول إلى عامل ضعف إذا لم يصاحبه تنسيق عملياتي واستخباراتي كافٍ.

⚫ خامساً: تقييم سير المعارك

يمكن تصنيف مستوى التصعيد الحالي بأنه مرتفع، لكنه لم يتحول إلى حسم استراتيجي.

وتشير التطورات الأخيرة إلى ارتفاع كثافة العمليات، لكن الانتقال من مرحلة الهجمات والاشتباكات إلى تغيير مستدام في خريطة السيطرة لم يتحقق بصورة واضحة حتى الآن.

لذلك فإن المعيار الأكثر دقة لتقييم سير المعارك هو:
الاستمرارية وليس سرعة التقدم.

فإذا استولى طرف على موقع ثم فقده خلال فترة قصيرة، فإن القيمة العملياتية للمكسب تكون محدودة. أما إذا تمكن من الاحتفاظ به وربطه ببقية مواقعه، فإن ذلك يمثل تحولاً أكثر أهمية.

⚫ سادساً: مركز الثقل

يتشكل مركز الثقل في هذه الجبهة من ثلاثة عناصر مترابطة:

المرتفعات – طرق الاتصال – الساحل.

والسيطرة على أحدها بصورة منفردة لا تمنح بالضرورة ميزة حاسمة.

فالسيطرة على مرتفع دون تأمين الاتصال به قد تكون محدودة القيمة، والسيطرة على طريق دون حماية المرتفعات المحيطة به قد تكون قابلة للعكس، بينما يمنح الجمع بين العناصر الثلاثة قدرة أكبر على فرض واقع ميداني جديد.

ولهذا فإن كهبوب والمضاربة والممرات المرتبطة بتعز تكتسب أهمية أكبر من حجمها الجغرافي.

⚫سابعاً: السيناريوهات المحتملة

#السيناريو الأول: استمرار الاستنزاف

يبقى القتال مرتفعاً مع تغيرات محدودة في خطوط التماس، دون قدرة أي طرف على تحقيق اختراق مستدام.

المؤشرات: استمرار الاشتباكات المتعددة، بقاء طرق الاتصال الرئيسية مفتوحة، واستمرار انتقال السيطرة على المواقع بصورة مؤقتة.

#السيناريو الثاني: اختراق حوثي تدريجي

يتحقق إذا تمكن الحوثيون من تثبيت مكاسبهم وربط الضغط على تعز بمحاور لحج والساحل.

المؤشر الحاسم هنا سيكون تغيراً مستداماً في خطوط الاتصال والسيطرة، وليس مجرد إعلان السيطرة على موقع.

#السيناريو الثالث: احتواء الهجوم وتثبيت الجبهة

يتحقق إذا تمكنت القوات الحكومية وحلفاؤها من المحافظة على المرتفعات والممرات الرئيسية، وتحسين التنسيق بين التشكيلات المختلفة.

وفي هذه الحالة قد يتحول الحوثيون من وضع المبادرة إلى محاولة المحافظة على مواقعهم الحالية.

#السيناريو الرابع: اتساع نطاق الصراع

يرتبط هذا الاحتمال بتطورات البحر الأحمر وباب المندب، بحيث تصبح جبهة تعز–لحج جزءاً من صراع أوسع يتجاوز الحسابات المحلية المباشرة.

⚫ ثامناً: مؤشرات الإنذار المبكر

ينبغي خلال المرحلة المقبلة مراقبة ستة مؤشرات رئيسية:

#المؤشر| دلالته

- تغير مستدام في خطوط السيطرة| تحول عملياتي حقيقي
- فقدان أو استعادة طرق الاتصال| مؤشر استراتيجي أعلى من خسارة موقع منفرد
- استمرار السيطرة على المواقع المستولى عليها| اختبار القدرة على تثبيت المكاسب
- تغير اتجاه الهجمات| احتمال إعادة توزيع الأولويات
- توحد مراكز القيادة| ارتفاع القدرة على استثمار النجاح الميداني
- انتقال القتال إلى نطاق جغرافي جديد| احتمال اتساع العملية

⚫ الخلاصة الاستخباراتية

تشير المعطيات الحالية إلى أن جبهة لحج–تعز تمر بمرحلة تصعيد مرتفع واختبار متبادل للقدرة على الاستمرار، دون وجود دليل كافٍ على اقتراب انهيار عسكري شامل لأي من الطرفين.

ويمتلك الحوثيون ميزة المبادرة والقدرة على الضغط المتعدد المحاور، في حين يمتلك الطرف الحكومي وحلفاؤه مزايا مرتبطة بالتضاريس والتعبئة المحلية وتعدد التشكيلات والدعم الجوي.

لكن كلا الطرفين يواجه مشكلة مقابلة:

الحوثيون أمام تحدي تثبيت المكاسب واتساع مساحة الانتشار، بينما يواجه خصومهم تحدي توحيد القرار والتنسيق بين مكونات متعددة.

وعليه، فإن نتيجة المرحلة المقبلة ستتحدد بدرجة أكبر من خلال قدرة كل طرف على تحويل الضغط إلى مكسب مستدام.

ولا توفر المعطيات الحالية أساساً كافياً للجزم بأن أحد الطرفين يتجه حتماً إلى الهزيمة. الأكثر دلالة سيكون مراقبة ما إذا كانت السيطرة على المرتفعات وطرق الاتصال ستتحول من وضع مؤقت إلى إعادة رسم مستقرة لخريطة الجبهة.

💢 *تحليل وتقديم | بسام البان أبو خليفة
كاتب بالشأن السياسي والأمني والباحث في قضايا الجماعات المسلحة ومكافحة الإرهاب




رأيكم يهــمنا

تهمّنا آراؤكم لذا نتمنى على القرّاء التقيّد بقواعد التعليقات التالية :
أن يكون للتعليق صلة مباشرة بمضمون المقال.
أن يقدّم فكرة جديدة أو رأياً جدّياً ويفتح باباً للنقاش البنّاء.
أن لا يتضمن قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم.
أن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.
لا يسمح بتضمين التعليق أية دعاية تجارية.