كتابات وآراء


04 أكتوبر, 2026 11:49:00 م

كُتب بواسطة : د. وليد ناصر الماس - ارشيف الكاتب



د. وليد ناصر الماس.

تُمثّل محافظة تعز اليمنية النموذج الأنصع للروح الوطنية، فلم تكن يوما مجرد رقعة جغرافية مكتظة بالسكان، بل كانت الخزان البشري والفكري الذي غذى شرايين الدولة والمجتمع جنوبا وشمالا، ومصنعا للرجال، ومرتكزا للنهضة التي امتد أثرها المبارك ليشمل الشمال والجنوب على حد سواء.

على مدار التاريخ المعاصر، شكلت الكفاءات التعزية العمود الفقري للبلد في شتى المجالات، فقد رفدت مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية بألمع القيادات والخبرات التي وضعت أسس الإدارة الحديثة، ولعب أبناؤها دورا محوريا في تنشيط الأسواق وبناء النهضة العمرانية والتجارية في كبرى المدن، لاسيما في العاصمة عدن وعموم المحافظات الجنوبية، إلى جانب الحضور البارز لأبناء هذه المحافظة في الشمال، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل كانت تعز سبّاقة بنشر التعليم، وتأسيس الصحافة، وإثراء المشهد الثقافي والفني، حاملة مشاعل التنوير ضد ظلام الجهل والتخلف والكهنوت.

تتصدر تعز اليوم خط الدفاع الأول عن الجنوب والشمال، في وجه المليشيات الحوثية، دفاعا عن الكرامة والدولة، كما تواجه حصارا بشعا وقصفا ممنهجا، ليقف أبناؤها مستبسلين في الدفاع عن كرامة الجميع، مؤكدين بقناعة راسخة أن معركتهم ليست معركة محلية، بل هي معركة المشروع الجامع نيابة عن الشمال والجنوب.

لكن المفارقة الأكثر إيلاما اليوم، هي حجم الجحود والمقابلة القاسية التي تواجهها هذه المحافظة المعطاء، فهي تتلقى الطعنات من صنعاء عبر حصار غاشم وحرب انتقامية ممنهجة، تسعى لكسر إرادتها الحرة، وفي المقابل تتعرض لخذلان مرير من عدن وبقية الشركاء والقوى السياسية الفاعلة في الشمال والجنوب، التي تقف موقف المتفرج المكتفي بلعب دور المراقب، ناكرين الجميل والتضحيات الجسام التي قدمتها تعز في سبيل البلد واستقراره.

دائما يُقاس تاريخ الأمم بحجم العطاء والتضحيات، وتعز التي منحت الشمال والجنوب خيرة أبنائها وعلماءها وقادتها، لا تنتظر منة من أحد، لكنها تستحق الوفاء لا الخذلان، فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، وسيبقى صمود تعز شاهدا حيا على عظمة أهلها، وعارا يلاحق كل من تقاعس عن نصرتها وهي تخوض معركتها الكبرى نيابة عن الجميع.