أخبار محلية

04 نوفمبر, 2026 08:47:41 م

رغم استقرار سعر صرف العملة المحلية خلال الفترة الأخيرة، لا يزال المواطن في العاصمة عدن يواجه أسعاراً مرتفعة للمواد الغذائية والسلع الأساسية، وسط تساؤلات عن أسباب عدم انعكاس استقرار الصرف على الأسواق، وضعف الإجراءات الرقابية في إلزام التجار بمراجعة أسعارهم، ومدى فاعلية السياسات النقدية في حماية القوة الشرائية للمواطن.

ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المواطن أن ينعكس استقرار سعر الصرف على تكاليف المعيشة، ظلت أسعار العديد من السلع عند مستويات مرتفعة، بل استمرت شكاوى المواطنين من زيادات سعرية جديدة في بعض الأصناف.

وهنا تبرز مفارقة اقتصادية تستحق التوقف عندها: عندما ترتفع قيمة العملات الأجنبية مقابل العملة المحلية، يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بحجة ارتفاع تكلفة الاستيراد، لكن عندما يستقر سعر الصرف، لا يحدث انخفاض مماثل في أسعار البيع للمستهلك.

وبين هذه المعادلة، يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف، يدفع تكلفة الارتفاعات السابقة، ولا يستفيد بالقدر الكافي من أي تحسن لاحق.

البنك المركزي.. استقرار الصرف لا يكفي لتقييم السياسة النقدية

لا يمكن تقييم أداء البنك المركزي اليمني من خلال سعر الصرف وحده، فهناك مؤشرات اقتصادية أخرى لا تقل أهمية، أبرزها معدلات التضخم، والقوة الشرائية، والسيولة النقدية، والاحتياطيات الأجنبية، ومدى استقرار السوق المصرفية.

وتشير تقارير صندوق النقد الدولي المتعلقة باليمن إلى استمرار تحديات اقتصادية ونقدية، من بينها محدودية الاحتياطيات الأجنبية، والضغوط التضخمية، وتأثير الاختلالات المالية على السياسة النقدية.

وهذا يطرح تساؤلات حول مدى استدامة الاستقرار النقدي، وقدرة البنك المركزي على معالجة الاختلالات التي تؤثر في الاقتصاد والأسواق.

كما أن استمرار ارتفاع الأسعار يفرض ضرورة تقييم مدى انتقال أثر السياسة النقدية إلى النشاط التجاري وتكاليف الاستيراد، ومدى قدرة الإجراءات المتخذة على حماية القوة الشرائية للمواطنين.

ومن المهم هنا التأكيد أن البنك المركزي لا يمتلك صلاحية تحديد أسعار التجزئة بصورة مباشرة، لكن مسؤوليته عن إدارة سوق النقد الأجنبي والرقابة على القطاع المصرفي تقتضي التنسيق مع الجهات الحكومية، وتوفير بيانات واضحة عن تكلفة تمويل الواردات، ومدى انعكاس المتغيرات النقدية على الأسعار.

فالمواطن من حقه أن يعرف لماذا لا تزال أسعار كثير من السلع مرتفعة، رغم استقرار سعر الصرف، وما الإجراءات التي اتخذتها المؤسسات المعنية لمعالجة هذه الفجوة.

مزادات العملة.. أسئلة حول الكفاءة والنتائج

من الملفات التي تستحق المراجعة ملف مزادات بيع العملات الأجنبية التي نفذها البنك المركزي خلال السنوات الماضية.

ووفق دراسة أكاديمية للباحث الاقتصادي وحيد الفودعي، نُشرت في أغسطس 2026، نفذ البنك 128 مزاداً خلال الفترة من نوفمبر 2021 إلى يوليو 2025، وبلغ إجمالي المبالغ المعروضة نحو 3.735 مليارات دولار.

وأشارت الدراسة إلى أن قيمة المزادات لم تفسر سوى 6.1% من التغيرات في سعر الدولار، ولم يصل تأثيرها الإحصائي إلى مستوى الدلالة المعتمدة.

وتفتح هذه النتائج باباً للنقاش حول كفاءة أدوات التدخل في سوق الصرف، ومدى تحقيقها للأهداف المرجوة، والحاجة إلى تقييم نتائجها بصورة أكثر شفافية.

ومن الأسئلة التي تستحق إجابة واضحة: ما أثر هذه المزادات على السوق؟ وكيف جرى تخصيص العملة الأجنبية؟ وما مدى وصولها إلى تمويل الواردات والاحتياجات الاقتصادية الفعلية؟

إن نشر بيانات تفصيلية عن هذه العمليات من شأنه أن يعزز الشفافية ويساعد في تقييم السياسة النقدية بعيداً عن الاكتفاء بالمؤشرات العامة.

الأسعار لا تستجيب للتحسن.. أين دور الرقابة؟

المشكلة الأكثر وضوحاً للمواطن اليوم ليست في المؤشرات النقدية، وإنما في الأسعار التي يواجهها يومياً عند التسوق.

فمع استقرار سعر الصرف، كان من المتوقع أن تراجع الأسواق أسعار السلع المستوردة تدريجياً، وفقاً لتكاليف الاستيراد الجديدة، لكن هذا الأمر لم يتحقق بالمستوى الذي ينتظره المستهلك.

ولا يمكن اعتبار كل ارتفاع سعري دليلاً على التلاعب، فهناك عوامل أخرى تؤثر في الأسعار، مثل المخزون السابق، والشحن والتأمين والنقل والتخزين والرسوم.

لكن هذه العوامل لا ينبغي أن تكون مبرراً مفتوحاً لاستمرار الأسعار المرتفعة دون توضيح أو مراجعة.

وهنا تقع المسؤولية المباشرة على وزارة الصناعة والتجارة ومكاتبها في المحافظات، باعتبارها الجهات المختصة بمراقبة الأسواق وحماية المستهلك ومتابعة الالتزام بالأسعار.

كما أن الغرفة التجارية والصناعية مطالبة بدور أكثر فاعلية في التنسيق مع المستوردين وتجار الجملة والتجزئة، وتوضيح أسباب الفجوة بين تكاليف الاستيراد وأسعار البيع.

فالحملات الرقابية لا ينبغي أن تقتصر على النزول الميداني وتحرير المخالفات، بل يجب أن تتضمن متابعة فعلية لأسعار السلع قبل الحملات وبعدها، ونشر نتائجها للرأي العام.

الأسر التي يعيلها مغتربون.. معاناة تتضاعف مع ارتفاع الأسعار

من أكثر الفئات التي تتأثر باستمرار ارتفاع الأسعار الأسر التي تعتمد على تحويلات أبنائها وأقاربها العاملين في المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

فهذه الأسر تعتمد في كثير من الأحيان على تحويلة شهرية ثابتة، يرسلها المغترب لتغطية احتياجات المنزل من الغذاء والدواء والإيجار والتعليم وغيرها من الالتزامات.

لكن المشكلة أن قيمة التحويلة قد تبقى كما هي، بينما ترتفع تكلفة الاحتياجات التي يفترض أن تغطيها.

ولنفترض أن أسرة في عدن تتلقى 500 ريال سعودي شهرياً من أحد أفرادها المغتربين، فإن وصول المبلغ نفسه لا يعني بالضرورة قدرتها على شراء الكميات ذاتها من المواد الغذائية أو تغطية المصاريف التي كانت تغطيها سابقاً.

فالأسرة تواجه أسعاراً مرتفعة للغذاء والإيجارات والدواء والكهرباء والمياه، بينما يجد المغترب نفسه مطالباً بزيادة التحويلات لتغطية الفجوة، رغم أن دخله والتزاماته في بلد الاغتراب قد لا تسمح له بذلك.

وهنا تظهر معاناة من نوع آخر؛ فالمغترب الذي يعمل خارج وطنه من أجل توفير حياة أفضل لأسرته، يجد نفسه مضطراً إلى إرسال مبالغ أكبر بصورة مستمرة، دون أن يشعر بأن الوضع المعيشي لأسرته يتحسن.

وقد تضطر بعض الأسر إلى الاستدانة، أو تقليص الإنفاق على التعليم والعلاج، أو الاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية حتى تتمكن من مواصلة حياتها.

إن تحويلات المغتربين تمثل مصدراً مهماً لمعيشة عدد كبير من الأسر اليمنية، ولذلك فإن تراجع قدرتها الشرائية يمثل قضية اقتصادية واجتماعية تستحق اهتماماً أكبر من الجهات المعنية.

المغترب بين التزاماته في الخارج واحتياجات أسرته في الداخل

لا تقتصر آثار ارتفاع الأسعار على الأسر الموجودة في عدن، بل تمتد إلى المغتربين أنفسهم.

فالمغترب لديه التزامات معيشية في بلد العمل، وقد يتحمل إيجار السكن ومصاريف التنقل والالتزامات الأسرية، وفي الوقت نفسه يسعى إلى إرسال تحويلة شهرية لأسرته في اليمن.

ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تتزايد مطالب الأسرة بزيادة المبالغ المحولة، حتى وإن لم يطرأ أي تحسن على دخل المغترب.

وهكذا يجد نفسه أمام معادلة صعبة: إما زيادة التحويلات على حساب احتياجاته والتزاماته، أو الإبقاء على المبلغ نفسه مع علمه بأن أسرته أصبحت تحصل على احتياجات أقل.

هذه القضية تكشف أن قياس الوضع الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على سعر الصرف، بل يجب أن يشمل القدرة الشرائية الفعلية للتحويلات والدخول التي تعتمد عليها الأسر.

مسؤوليات مشتركة.. لكن من يتحمل مسؤولية التنفيذ؟

إن معالجة الفجوة بين استقرار سعر الصرف واستمرار ارتفاع الأسعار تتطلب تحركاً متكاملاً من المؤسسات المعنية.

البنك المركزي اليمني: مطالب بتوضيح أثر سياساته النقدية على تكلفة تمويل الواردات، ونشر بيانات دورية عن سوق الصرف والتدخلات النقدية، وتقييم كفاءة الإجراءات المتخذة ومدى انعكاسها على الاقتصاد.

وزارة الصناعة والتجارة: مطالبة بتكثيف الرقابة على الأسعار، والتحقق من تكاليف الاستيراد وهوامش الأرباح، ومحاسبة المخالفين وفق القانون.

الغرفة التجارية والصناعية: مطالبة بالتنسيق مع المستوردين وتجار الجملة والتجزئة، وتقديم بيانات استرشادية عن الأسعار، وتوضيح أسباب عدم انخفاض بعض السلع رغم استقرار الصرف.

السلطات المحلية في عدن: مطالبة بمتابعة أداء مكاتب الصناعة والتجارة، وضمان استمرارية الحملات الرقابية، ونشر نتائجها بصورة دورية.

ما المطلوب حتى يشعر المواطن بالفرق؟

هناك خطوات عملية يمكن أن تسهم في معالجة المشكلة، أبرزها:

1. إصدار قائمة أسبوعية معلنة لأسعار السلع الأساسية، مع مقارنة الأسعار بالفترات السابقة.
2. مراجعة تكاليف الاستيراد الفعلية للسلع التي لم تنخفض أسعارها رغم استقرار سعر الصرف.
3. متابعة كبار المستوردين وتجار الجملة، وعدم حصر الرقابة في محلات التجزئة.
4. إلزام المحلات التجارية بإشهار الأسعار بوضوح، ومراقبة أي زيادات غير مبررة.
5. نشر نتائج الحملات الرقابية وأعداد المخالفات والإجراءات القانونية المتخذة.
6. تعزيز التنسيق بين البنك المركزي ووزارة الصناعة والتجارة والغرفة التجارية لتقييم أثر استقرار الصرف على أسعار السلع.
7. الاهتمام بالأسر ذات الدخل المحدود والأسر التي تعتمد على تحويلات المغتربين، باعتبارها من الفئات الأكثر تأثراً بخفض الصرف وارتفاع تكاليف المعيشة.

الخلاصة.. استقرار الصرف وحده لا يصنع حياة كريمة

إن القضية اليوم لا تتعلق فقط باستقرار سعر العملة، وإنما بمدى انعكاس السياسات الاقتصادية والرقابية على حياة المواطنين.

فالبنك المركزي مسؤول عن السياسة النقدية، ووزارة الصناعة والتجارة مسؤولة عن الرقابة على الأسواق، والغرفة التجارية مسؤولة عن تعزيز التنسيق والانضباط في القطاع التجاري، لكن المواطن لا يزال ينتظر نتائج ملموسة من هذه المؤسسات.

والأسر التي يعيلها مغتربون لا تريد سوى أن تكون التحويلات التي تصلها كافية لتغطية احتياجاتها، وألا تضطر إلى مطالبة أبنائها بمبالغ إضافية كلما ارتفعت أسعار السلع.

إن استمرار ارتفاع الأسعار في ظل استقرار سعر الصرف يفرض على الجهات المعنية مراجعة أدائها، وتقديم تفسيرات واضحة، واتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لضمان عدم بقاء المواطن خارج دائرة الاستفادة من أي تحسن اقتصادي.

فالمعيار الحقيقي ليس ما تقوله المؤشرات النقدية وحدها، بل ما يستطيع المواطن شراءه بدخله، وما تستطيع الأسرة توفيره من احتياجاتها، وما تبقى في يد المغترب بعد أن يؤدي واجبه تجاه أسرته.




رأيكم يهــمنا

تهمّنا آراؤكم لذا نتمنى على القرّاء التقيّد بقواعد التعليقات التالية :
أن يكون للتعليق صلة مباشرة بمضمون المقال.
أن يقدّم فكرة جديدة أو رأياً جدّياً ويفتح باباً للنقاش البنّاء.
أن لا يتضمن قدحاً أو ذمّاً أو تشهيراً أو تجريحاً أو شتائم.
أن لا يحتوي على أية إشارات عنصرية أو طائفية أو مذهبية.
لا يسمح بتضمين التعليق أية دعاية تجارية.