22 فبراير, 2026 11:26:02 م
(صوت الشعب) بقلم/ محمد بن درويش الأحمدي:
في الثاني والعشرين من فبراير تحلّ ذكرى استشهاد القائد الرمز أحمد سيف المحرمي اليافعي، الاسم الذي ارتبط في وجدان رفاقه ومحبيه بالشجاعة والإقدام والصدق مع الله والوطن والرجال.
في مثل هذا اليوم من عام 2017، ارتقى اللواء الركن أحمد سيف اليافعي شهيدًا في الصفوف الأمامية لجبهات القتال بمدينة المخا، مقبلًا غير مدبر، وهو يقود معركة التحرير بنفسه، لا من خلف المكاتب ولا من داخل الغرف المغلقة.
كان يشغل منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة، وكان بمقدوره إدارة المعركة من أي موقع يختاره، لكنه آثر أن يكون حيث يجب أن يكون القائد الحقيقي: في خط النار الأول، بين جنوده، يشدّ من عزيمتهم، ويزرع الثقة في نفوسهم، ويصنع النصر بحضوره قبل أوامره.
تمرّ السنوات، وتسع سنوات مضت على رحيله، غير أن الغياب لم يُطفئ حضوره في الوجدان. ما زال اسمه يتردّد في المجالس، وتُستعاد مواقفه في الميادين، لأن الرجال الكبار لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين، بل بعمق الأثر الذي يتركونه.
كان “أبو منيف” قليل الكلام، كثير الفعل. لم يكن من هواة الظهور، بل من صُنّاع الفارق. عرفه المقاتلون قائدًا يسبقهم إلى الخطر، ويشاركهم أدق التفاصيل، ويؤمن بأن القائد الحقّ هو من يكون قدوة قبل أن يكون آمرًا.
لذلك ملك القلوب بصدقه، واحترمه الناس لثباته، ووثق به الجنود لأنه كان واحدًا منهم، لا متعاليًا عليهم. كان يرى في المنصب مسؤولية لا وجاهة، وفي الحرب واجبًا لا تجارة، وفي القيادة تضحية قبل أن تكون سلطة.
برحيله، لم نفقد قائدًا فحسب، بل خسرنا نموذجًا من جيل نادر من القادة المقاتلين؛ جيلٍ أدركنا قيمة وجوده حين غاب، وظهر الفراغ الكبير بعده. لقد مثّل مدرسة في القيادة الميدانية، حيث يتقدّم القائد صفوف رجاله، ويشاركهم المخاطر، ويتحمّل معهم تبعات القرار.
إن ذكرى استشهاد أحمد سيف اليافعي ليست مجرد استحضار لحدث عسكري، بل هي وقفة تأمّل في معنى القيادة الحقيقية، ومعنى الشهادة، ومعنى أن يترجّل القائد وهو في مقدمة الصفوف. إنها دعوة إلى أن تبقى القيم التي حملها حيّة في النفوس: الشجاعة، النزاهة، الإخلاص، والولاء للوطن قبل كل شيء.
رحم الله القائد الرمز، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه مشعلًا للأجيال، ونبراسًا لكل من يحمل مسؤولية الدفاع عن الأرض والكرامة.
فالرجال العظام لا يموتون… بل يتحوّلون إلى مبادئ.